صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

التمايز بين المظهر والجوهر في التدين المغربي

بقلم مريم رضوان النائب الثاني لرئيس منظمة التجديد الطلابي

أضحت معالم التخبط اليوم واضحة جليا في مجتمع اعتاد أن يكون محافظا لعقود من الزمن، تعاقبت عليه حضارات مختلفة وحكومات كثيرة وعاش مخاضات عسيرة، حاول باستماتة خلالها أن يبقي على نفس التدين الذي غذى وجوده مكوث الكثير من العلماء والفقهاء والأدباء بين أهل البلد في سابق الأيام، والذين كان لهم الفضل على إشاعة جو العلم والالتزام بتعاليم الدين ومواجهة الشبهات الفكرية والعقدية في أرجاء البدو والحضر من قبيل الحسن اليوسي وأبو بكر بن العربي وغيرهما (…).
لقد استمد الشعب المغربي على مدى قرون ماضية من معاني الانتساب للدين ما خولهم ليعيشوا كراما فوق أرض الله ويدافعوا عليها أولا ثم على أسرهم وذويهم من كل ما من شأنه الخدش بالفطرة الحية التي جبلوا على استلزامها للعيش بعد أن فقهوا مركزيتها في بناء مجتمع مسلم قوي، إلا أنه وبعد محاولات متتالية لكسر شوكة المسلمين، في العالم عموما وفي المغرب خصوصا، استطاع الغزاة ممن لا نشاركهم نفس الدين ولا نفس الذاكرة المرجعية والأخلاقية اختراق صفوف الشعوب واستغلال ضعف بعض المنتسبين للدين في ظاهرهم، ونسقوا معهم لتكون بذلك انطلاقة الاستعمار العسكري والاقتصادي قبل أن يتبعه استعمار ثقافي أشد بشاعة وأكثر فتكا وأطول زمنا.
كان أبرز آثار هذا الاحتلال الثقافي هو ما طرأ على مكونات الأسرة شكلا ومضمونا، واستهدافها واحدة تلو الأخرى، حتى جُعِل الرجل ينظر إلى المرأة نظرة عنوانها تناقض غريب لا تجد له مبررا في الدين إلا في تاريخ قريش قبل الإسلام، فأضحى الرجل يكيل بمكيالين، زوجة مكانها البيت والستر، لا حاجة لها في خارج أسوار الكوخ، وابنة مكانها حيث يمكن أن تغدو بسببه أشبه إلى النساء المثقفات اللواتي تدرسن في المدارس من بنات المستعمر.
إن التناقض الذي أتحدث عنه لا يعني بالضرورة أن نظرة الفاعل عادلة بالنسبة لأحد الطرفين وظالمة للطرف الآخر، بل بالعكس، هي ظالمة للطرفين على حد السواء، لأنها أنتجت لنا في نهاية المطاف أمهات تفتقرن إلى إدراك معالم الحياة ونواميسها وغير قادرات على ملاحظة الاختلاف، وبالتالي عاجزات عن تحليل المآلات واكتساب الحكمة للتعامل مع جيل تُخَرِجنه ولا تقدرن على مواكبته، وهذا يخالف ما يدعو إليه الإسلام على أيه حال، وإن كان جزء منه تركة سيئة لفهم مشوه للدين وممارسات خاطئة لتعاليمه، إلا أن الانسجام فيه كان من شأنه أن يجعل عملية إصلاحه حين تبدأ عادلة وقويمة، تلائم جسم المجتمع الثقافي.
كما أنتجت هذه النظرة أيضا نساء مٌعتدَات بكل حرف تعلمنه من الأعاجم فصرن قدوات لهن، بل تجاوزن الاعتداد بالحروف إلى الاعتداد بالثقافة الجديدة التي لُقنها ضمنيا ودون الحاجة إلى تصريح مباشر بها، فتحولت قبلتهن في الاستشارة من اللواتي ولدنهن إلى اللواتي يتطلعن ليصرن مثلهن، ذلك أن المعايير قد اختلفت، وستختلف معها المظاهر والأفكار تبعا أيضا، وقد تحدثت المرنيسي في كتابها ”شهرزاد ليست مغربية” عن هاته المفارقة، إلا أنها بطبيعة الحال انتصرت لنموذج الابنة وجعلته الذي ينبغي أن يكون عليه وضع المرأة بين مكونات الأسرة.
ولم يكن هذا المظهر الوحيد، فقد شاب الرجل نصيبا من التحول، لا يقل أهمية عما ذكر سلفا، يتمثل في تبني الاختيارات الفكرية الأكثر “انفتاحا” وقبولا لثقافة المستعمر، مرفقة طبعا بمجموعة من الشكليات التي تنسجم مع تلك الاختيارات، كقصات الشعر ونوع الهندام وأنواع الترفيه الغريبة عن خصوصية البلد.
هذا ولا ننسى أهمية استهداف اللغة كشكل من أشكال الضرب الهوياتي الذي استهدفه المستعمر، ونجح فيه إلى يومنا هذا، ذلك أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، فهي سفيرة لهوية المتكلم وحمالة لثقافة منشئه، كما يتحدث عنها وعن محاولات سلبها عابد الجابري في مجموعة كتب سلسلة مواقف.
كل هاته الممارسات التي كان الاستعمار سببا رئيسا فيها، إضافة إلى أفعال أخرى سببها الركود الفكري الذي عرفه المجتمع لمدة غير يسيرة من الزمن، ساهمت في تعزيز الهوة بين جوهر الدين في نفس الإنسان، وأحدثت لبسا في مفهوم التدين عنده، فقرر بعلم وبدون علم الفصل بين الاعتقاد والمظهر، فجعل مكان الإيمان القلب، ومكان المظهر الحياة الدنيا، وهكذا، نشأت أجيال جديدة تحفظ من الآيات أن الله غفور رحيم، ولا تريد أن تسمع أكثر من ذلك، تؤمن بالله ولا ترى حاجة في اتباع تعاليم، في نظرهم سطرها متشددون لا يقبلون الاختلاف، فصار الحجاب مظهرا مستحبا عند القواعد من النساء، مُتَجاهلا بين اللواتي وجب عليهن في الحقيقة، إلا ما كان كرمز تقليدي عند الأسر المحافظة، وهنا أيضا، هو لا يحضر بالاعتقاد بل بالشرف. وحين لا يحضر بالاعتقاد لا تكون له قواعد تؤطره باستثناء نظرة الجيران لذكور أهل ذلك البيت. وأضحت الزينة لغير المحارم إبرازا للجمال مجردا عن فكرة التأثير والفتن، وصارت الصلاة عبادة لها ميقات جديد، تتميز بالظهور في رمضان وتودع صاحبها إلى رمضان المقبل، وصارت العلاقات خارج إطار الزواج اكتشافا ذكيا متحررا من سلطة العادات القديمة، وأصبح الكذب مراتب، أعلاها مهارة من مهارات التواصل الذكي، وأصبح المنكر حرية فردية وجب على الآخرين احترامها حتى وإن تقاطع ذلك مع حرياتهم هم، كحرية النظر إلى الطبيعة الخلابة دون المرور على ما يفسدها من سلوكيات هجينة، وأصبح التصفيق للباطل وموافقته مجاملة ومراعاة لطيفة لصاحبه، وغيرها الكثير من السلوكيات الغريبة عن الدين والفطرة، والتي دائما ما يجدون لها غايات يبررنها بها، كامتهان الفجور وارتكاب الرذائل قصد كسب لقمة العيش، ثم إنك إن حاججت أحدهم في فعله ذكرك بالآية السابقة ثم أردف مخبرا عن طيبة قلبه وصفاء وجدانه.
لقد دفعني التأمل في هذا الحال إلى استحضار آية عظيمة، رُجح أنها أتت جوابا على نقاش دار بين الصحابة عمن كان فعله أفضل عند الله، حيث افتخر بعضهم جدلا بسقاية الحجيج والآخر بعمارة المسجد الحرام فأنزل الله: ” أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ”، فما أغنت عن الطيبين طيبتهم ولا عن الكرماء أموالهم ما لم تستجب لأمر الله ولم تستقم لشريعته ومنهاجه في كليته، حقا لا هباء..
إن حضور الدين في خلد الإنسان يستلزم أن يجعله قادرا على ربط الأحكام ببعضها البعض واستخلاص الغايات والحِكم منها، وإنه لا يستقيم للمسلم أن يؤمن بآية المغفرة ويغض الطرف عن آيات الأحكام ولا عن آيات النذير والعذاب ولا عن آيات النعيم والثبات ولا عن آيات القصص ولا آيات التفكر، ذلك أنها كلها تصنع الإنسان المسلم المتوازن المراعي لأمر الله والمستوعب لحقوقه في الحياة وواجباته تجاه شرع الله، وتبعده عن صورة المسلم الانتقائي الذي لولا العقيدة لذاب وانصهر من فوره عند أول التقاء بما يخالفه ولا يشبهه.
وإن كان من رسالة نستشفها مما سبق فهي ضرورة العودة إلى مراجع الأصول لفهم ما ننتمي إليه وتحديد المسموح به من الممنوع وعدم الانجرار وراء تيارات الحداثة الجارفة التي لن يجد الناس سبيلا لعيش رفاهيتها بمفهومها الغربي ما لم يتخلصوا من صلب عقيدتهم الفطرية، في الوقت الذي يمكنهم العيش تحت ظلال الإسلام حياة طيبة لا تنقصها متعة عاقلة، وقد يقول قائل إن الإسلام يدفع الإنسان إلى التفكير ولا يلزمه بالقيود والامتثال، ونقول إن الإسلام لا يمنع عن الإنسان شيء بدافع الإكراه، ولكنه يربي الإنسان ليمنع هو عن نفسه ما يرى حكمة الله في الأمر بتركه، ونسأل الله الهداية والثبات، والخير للناس أجمعين.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: