صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

الصالحي يكتب: “تقديم وثيقة المطالة بالاستقلال: لحظة فاصلة في مسار النضال الوطني”

بقلم: عبد الغفور الصالحي- مسؤول قسم التأطير لمنظمة التجديد الطلابي

لكل شعب وأمة لحظات فاصلة في تاريخ نضالهما تبقى عالقة في ذاكرة الأجيال المتلاحقة، تشكل لها لحظة من لحظات الفخر والاعتزاز بالانتماء لذلك الشعب وتلكم الأمة، وإن إحياء المغاربة لذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يدخل ضمن هذه الخانة وهذا الباب، وإن اختيار منظمة التجديد الطلابي لإحياء وتخليذ هذه المناسبة الوطنية يأتي من صميم قناعتها بأهميتها ورمزيتها التاريخيتين، ولأننا في منظمة التجديد الطلابي نعد أنفسنا امتدادا فكريا ونضاليا للحركة الوطنية وأن جزء من انتمائنا وتحيزنا هو لهذا الفكر وهته الحركة، باعتبارها حركة وطنية ديمقراطية ومقاومة.

فما هو السياق التاريخي الذي أدى إلى تحول الحركة الوطنية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال؟

وما هي القيمة التاريخية والوطنية لهذه الوثيقة؟

السياق التاريخي لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال:

انطلقت الحركة الوطنية في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي كرد فعل مباشر على إصدار سلطة الاحماية الفرنسية لما عرف في التاريخ ب”الظهير البربري” الذي تغيى التفريق بين أبناء الوطن الواحد والملة الواحدة، لإحداث شرخ مجتمعي يمكنها من تسهيل عملة احتلالها للمغرب مجاليا وفكريا، فانطلقت إذا الحركة الوطنية باعتبارها حركة سياسية مقاومة بعدما تمكنت فرنسا من القضاء على المقاومة المسلحة التي استمرت من سنة 1912 إلى سنة 1934.

شكلت المرحلة الأولى من عمر الحركة الوطنية والتي امتدت من بداية ثلاثينات القرن الماضي إلى منتصف الأربعينات تقريبا من نفس القرن مرحلة للمطالبة بتطبيق بنود معاهدة الحماية التي كانت تنص على القيام بمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية لصالح المغرب، فكان عنوان المرحلة الأبرز هو المطالبة بالإصلاحات، ولكن مع تنامي الاستغلال الاستعماري الفرنسي الإسباني للمغرب، والذي تمثل أساسا في استغلال خيراته وثرواته الفلاحية والطاقية والمعدينة وغيرها، من أجل تقوية اقتصادات الدولتين المحتلتين، ومع حصول قناعة جازمة لدى مناضلي الحركة الوطنية بأن الاحتلال الأجنبي لم يأتي للقيام بالإصلاحات وإنما جاء لخدمة مصالحه الذاتية واستغلال خيرات الأوطان المحتلة، وفي ظل مجموعة من السياقات الداخلية والخارجية التي طبعت المرحلة وعلى رأسها:

  • الحرب العالمية الثانية، التي غيرت موازين القوى في العالم خاصة خلال مرحلتها الأولى، فأمام الهزائم التي تلقتها فرنسا على يد القوات الألمانية، أيقنت الشعوب المستعمرة أن استقلالها أصبح قريبا.
  • بداية ظهور إرهاصات القطبية الثنائية مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية وأيضا الاتحاد السفياتي إلى الوقوف بجانب مجموعة من الدول المحتلة بنية ضمها لحلفها ومعسكرها مستقبلا.
  • صدور الميثاق الأطلسي سنة 1941 والذي نص على حق الشعوب في تقرير المصير.
  • بروز الفكر التحرري وظهور مفكرين غربيين يطالبون بتحرر الشعوب وحقهم في تقرير مصيرهم.
  • ظهور حركات تحررية بالمشرق العربي طالبت باستقلال أوطانها عن الاحتلال الأجنبي (سوريا- لبنان- مصر …)
  • بداية تمرد المخزن ممثلا في السلطان محمد بن يوسف رحمه الله على السلطات الفرنسية وامتناعه عن توقيع الظهائر وكذا بداية سعيه وعمله من أجل استقلال المغرب، وهو ما ظهر جليا في حصوله على وعد من الرئيس الأمريكي روزفلت من أجل دعم المغرب في الحصول على استقلاله خلال اللقاء الذي جمع بينهما في مؤتمر أنفا سنة 1943.

كل هذه العوامل والظروف أسهمت في تغير موقف الحركة الوطنية المغربية، من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال، فشرعت هذه الأخيرة في تقديم مجموعة من الوثائق لسلطات الاحتلال الإسباني والفرنسي تطالب فيها بالاستقلال كان أبرزها وأشهرها وثيقة 11 يناير سنة 1944 والتي تقدم بها حزب الاستقلال.

القيمية التاريخية والوطنية لوثيقة المطالبة بالاستقلال:

تأخذ وثيقة 11 يناير 1944 المطالِبة بالاستقلال قيمتها من عدة جوانب، فهي أولا شكلت لحظة وفاق وطني بين مختلف قوى المجتمع المغربي، حيث اتحدث إرادة السلطات المخزنية المتمثلة في السلطان محمد بن يوسف والذي كان له دور مهم وجلي في صدور هذه الوثيقة، مع إرادة كل شرائح ومكونات وتيارات الحركة الوطنية وعلى رأسها حزب الاستقلال، مع إرادة الشعب المغربي الذي كان تواقا ليعيش لحظة جلاء قوات الاستعمار وتحرير وطنه والإقرار بسيادته، وثانيا شكلت هذه الوثيقة لحظة تحول كبرى في مسار نضال الحركة الوطنية والشعب المغربي من أجل الاستقلال، فهي لحظة تحول الحركة الوطنية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال مما يعني دخول الحركة الوطنية في مسار جديد من النضال عنوانه تمزيق معاهدة الحماية وعدم الاعتراف بأي سلطة أجنبية تحكم المغرب. ووتجلى قيمة الوثيقة كذلك في أسماء الموقعين عليها فهم نخبة من العلماء والمثقفين والسياسيين والمناضلين الذين طبعوا مسار المغرب خلال هذه المرحلة وبعدها، فالعديد منهم أصبحوا رموزا وزعماء وطنيين بحق رسموا معالم مغرب الاستقلال، وتأخذ هذه الوثيقة قيمتها كذلك من كونها صادرة عن حزب الاستقلال الذي كان يعتبر القوة الشعبية الأولى في المغرب آنذاك، وبتنسيق فعلي مع السلطان الشرعي للبلاد محمد بن يوسف.

ولا يفوتنا في الختام أن نلفت انتباه القارئ إلى أن تيارات الحركة الوطنية تقمدت بوثائق أخرى للمطالبة بالاستقلال من أبرزها الوثيقة التي تقدم بها حزب الإصلاح الوطني بشمال المغرب بزعامة المناضل عبد الخالق الطريس سنة 1943م، وقد كانت كل هذه الوثائق وغيرها من محطات النضال ضد الاحتلال لحظات فارقة وملهمة في مسار التحرر، يمكن أن تجعلها الأجيال اللاحقة قواعد تنطلق منها لاستكمال بناء دولة وطنية يسودها العدل والحق والديمقراطية.

 

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: