صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

“الحب من أول نظرة”…هل يجب أن نختار تخصصنا الجامعي بناء على الميول الشخصية ؟” بقلم حمزة ادام

بقلم: حمزة ادام- رئيس منظمة التجديد الطلابي

لا بد من الاعتراف بأن اختيار التخصص قرار صعب ومركب بالنسبة لكل مقبل على الدراسة الجامعية، الأمر نوعا ما أشبه بقرار الزواج، فهو ارتباط بمجال معين قد يكون من الصعب تغييره بعد مدة معينة، وإذا ما تم تغييره فالكلفة لا شك ستكون باهظة – أقل من كلفة تغيير شريك الحياة بطبيعة الحال -، الأمر يعني أن يكرس الشخص مساره المهني لمجال معين سيقضي فيه بقية عمره دارسا لتفاصيله وباحثا عن التمكن من معارفه ومهاراته.

هل يصلح أن يخضع قرار كهذا لاعتبارات عاطفية من قبيل “الميول والرغبات الشخصية” ؟ موضوع هذا المقال مناقشة لهذا الطرح الذي يفترض أن على المقبل على الدراسة الجامعية أن يختار تخصصه بناء على “رغبته وميوله”، وهو أمر يشبه إلى حد كبير فكرة “الحب من أول نظرة” التي تربط اختيار شريك الحياة – وأعترف طبعا بأنه قرار أصعب من قرار اختيار التخصص – بشرارة تنقدح فجأة وبدون سابق مقدمات، فكرة حالمة لا علاقة لها بأي حال من الأحوال بالواقع الذي يفترض بأن قرار الارتباط بشريك الحياة – أو قرار اختيار التخصص بدرجة أقل – هو قرار مركب لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في ميول عاطفية أو رغبات شخصية.

يطرح الانتقال من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي إشكالات متعددة لدى حاملي الباكالوريا الجدد في المغرب، وهو ما تؤكده أرقام المؤسسات الرسمية، حيث أشار تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في تقريره الموسوم ب”إصلاح التعليم العالي : آفاق استراتيجية” الصادر في يونيو 2019 إلى عدد من الأرقام نذكر من بينها ما يلي:

  • بلغت نسبة الانقطاع عن الدراسة في التعليم الجامعي ذي الاستقطاب المفتوح 25% في السنة الأولى من الدراسة، و40,2% بعد سنتين و20,9% بعد ثلاث سنوات؛
  • بلغت نسبة التكرار في السنة الأولى حوالي 47%خلال موسم 2016-2017؛
  • ثلث الطلبة فقط من يحصلون على الإجازة الأساسية (من بين كل الملتحقين بالجامعة، وهو ما يعني نسبة هدر تبلغ الثلثين !)

لا يمكن أن نجادل في أن لهذا الواقع المؤسف عوامل متعددة منها ما هو متعلق بالحكامة والتدبير، ومنها ما هو متعلق بالإشكالات الاجتماعية، إلا أن جزءا من هذه الإشكالات له علاقة مباشرة بالتوجيه الجامعي الذي لم يعط الأهمية اللازمة لحد الآن، وكم هي كثيرة قصص الطلبة الذين عانوا من سوء التوجيه الجامعي ووجدوا أنفسهم مجبرين إما على تغيير تخصصاتهم أو اتخاذ قرار مغادرة الجامعة بصفة نهائية!

ولعل أحد أهم هذه الأسباب ما يتعلق بتوافق الرغبات والميول الشخصية مع التخصص الذي تم اختياره، إذ أن عددا كبيرا من الطلبة المقتنعين بأهمية توافق الميول الشخصية والتخصص يجدون أنفسهم في وضع غير مريح وهم يدرسون تخصصات لا يجدون في أنفسهم أية رغبة في دراستها، وضعٌ لا يمكن إلا أن ينتج مسارا دراسيا متعثرا في أحسن الأحوال، هذا إن لم يدفع صاحبه إلى اتخاذ قرار حاسم بالمغادرة وتغيير التخصص.

لكن دعونا نطرح السؤال : هل الرغبات والميول الشخصية عامل محدد وحاسم في اختيار تخصص بعينه أو اختيار الاستمرار فيه؟

أو لنطرح السؤال بصيغة أخرى : إذا كانت الميول الشخصية هي ما يجب أن يحدد اختيار تخصصنا الدراسي، فما الذي يحدد هذه الميول الشخصية؟ بأي طريقة تتشكل هذه الميول أو الرغبات التي يمكن أن نبني عليها فيما بعد قرارا مصيريا وصعبا مثل قرار اختيار المجال الذي سنكرس له بقية مسارنا الدراسي ؟

هل يستطيع أحد منا أن يحدد كيف ومتى نشأ لديه الميل لهذا التخصص أو ذاك؟ في أحيان كثيرة يصعب هذا الأمر، لأن الميل الشخصي إنما هو نوع من التعاطف أو الارتياح لاختيار دون آخر، قد يكون السبب في بعض الأحيان أستاذ المادة الذي أحببناه وأحببنا طريقة تدريسه فصرنا أكثر ميلا لتخصصه، قد يكون السبب في أحيان أخرى حديثا جانبيا مع شخص معين أو نموذجا ناجحا عرفناه فتعلقنا بمساره وتخصصه: كلها أمور لا نتحكم فيها بقدر ما تضعها أمامنا صدف الحياة.

في كتابه المهم “التفكير بسرعة وببطء Thinking Fast and Slow”، يتحدث عالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كانمان عن طريقة تشكل عدد من الانطباعات التي توجه اختيارات ومسارات الإنسان، وهي انطباعات تقع في كثير من الأحيان في أخطاء وانحيازات لا تعبر بشكل كلي عن الواقع الذي نتعامل معه، من مثل ظاهرة تأثير الهالة Halo effect والتي تعني النزوع إلى تعميم صورة إيجابية حول شخص معين لتشمل كل ما يتعلق به (مثال أستاذ المادة الذي يعطي انطباعا جيدا ينسحب على مادته بل والتخصص الذي تندرج فيه)، أو ظاهرة السهولة الإدراكية Cognitive ease والتي تعني الميل إلى الأفكار التي يسهل علينا استحضارها والتفكير فيها، أو ظاهرة الاستبدال Substitution والتي تعني نزوع الإنسان إلى الهروب من الإجابة عن سؤال مركب من قبيل : أي تخصص سأختار ؟ إلى سؤال أكثر بساطة وسهولة من قبيل : أي تخصص يخلق لدي ميلا وشعورا بالارتياح؟

كلها ظواهر تؤثر بشكل مباشر في انطباعاتنا حول تخصصات معينة، وهي ظواهر تلقائية لا ننتبه إليها في أغلب الأحيان، بل وتشكل جزءا من مشاعرنا التي لا نستطيع تفسيرها لتشكل فيما بعد قراراتنا واختيارتنا.

هل يمكن إذن أن نترك للميول والرغبات التي تتسم بكل هذا التقلب أن تحدد قرارات مصيرية من قبيل قرار اختيار التخصص؟

هل يصح أن يبنى قرار مصيري وحاسم مثل قرار اختيار التخصص على انطباعات وميول لا تعدو أن تكون مجرد نتائج لأحداث صادفتنا في مسيرة الحياة ولم يكن لنا فيها أي دخل؟ ماذا عن كل تلك الأحداث الأخرى التي لم تقع؟

إنني بطبيعة الحال لا أنكر أن العواطف والميول جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها نهائيا في تحديد اختيارتنا وقراراتنا، إنما الحديث هنا عن ضرورة الانتباه وتحقيق نوع من التوازن بين اختيارات مبنية على التفكير وتقليب النظر والبحث والتنقيب، واختيارات مبنية على ميول ورغبات شخصية قد تتغير بين ليلة وضحاها.

المشكل كله يكمن في كل الأوقات والجهود التي يهدرها عدد من الطلبة بحثا عن “ميولهم الشخصية” التي لم يجدوها بعد، المشكل في حجم التوتر والقلق الذي يعيشه الطالب وهو يحس بأنه مقبل على دراسة تخصص لا يميل إليه أو وهو يفكر في تغيير مساره الدراسي بعد سنة أو سنتين لأنه لم يستطع بعد اكتشاف ذلك “السر المكنون” داخله الذي يفتح له الباب مشرعا أمام “تخصصه الموعود”.

ما هو الحل إذن؟ كيف يمكن للطالب الجديد أن يحسم قراره ويختار تخصصه دون أن يسقط في فخ “الميول الشخصية”؟ أية معايير تصلح لبناء هذا القرار الحاسم الذي سيرهن سنوات قادمة من حياة الطالب الجامعي الجديد ؟

هذا ما سنناقشه في المقال القادم بإذن الله.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: