صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

بن صالح يكتب: “أعقدُ القضايا الخلافية في القارة السمراء..مسارها؛ ودورنا تُجاهها بمناسبة المسيرة الخضراء!”

في الذكرى 44 للمسيرة الخضراء

بقلم: عدنان بن صالح- عضو المجلس الوطني لمنظمة التجديد الطلابي

لا حاجة اليوم إلى تلقين المواطن المغربي _ما خلا الناشئة_ فَهْمًا ومعطياتٍ وأحداثٍ مفصلية من تاريخ الصحراء المغربية، هته الـمسّماة في أعراف النزاع وفي أوساط الساسة الكبار بــ”قضية الصحراء الغربية”..، ولا إلى إعادة تكرار مَشَاهِد الاحتفاء والاحتفال التقليدية بمحطات وطنية خالدة ارتبطت بمسار هته القضية؛ وإنّما المطلوب العمل على تفهيم الــمُوَاطِن والأجيال الصاعدة الأهمية الحيوية للوعي الفردي بخطورة نزاع الصحراء ورذاذ تأثيراته الرهيبة على المنطقة، وتفهيمه كذلك القيمة المضافة للدفاع والترافع المدني والمجتمعي عن مغربية الصحراء والنهوض بها، فِعلا، واستِدامةً.

من هنا؛ فَلَيْسَت المشكلة في أنْ نلقِّن المواطِن _ مع اختلاف رؤيته وتقديره وأدْلوجته وتحيّزاته _ عقيدةَ حبّ الوطن وقطعةً إستراتيجية منه هو يملِكُ إزاءهما وطنية وحبّا خالِصيْن؛ وإنَّما الأهمّ أنْ نسعى عبر تعليمنا وجامعاتنا وإعلامنا وأُسَرِنا وحكومتنا وجمعياتنا إلى أنْ نردَّ لتلك العقيدة فعاليتها الـعملية وقوّتها الإيجابية وتأثيرها اليوم وغدا في مسار الشَّخص/المواطِن، والتاريخ، والقضية.

ذاكرة وتاريخ المنطقة.. الوعي والفهم أُفُقاً للعمل

لا شكَّ في أنَّ مسار وراهن وحدتنا الترابية وما يُثار ضدّها، وما تعرفه من مسالِك سياسية وخيارات دبلوماسية وتعقيدات في إنهاء النزاع الـمُفتَعَل؛ وثيق الصِّلة بتاريخ المنطقة، حيث أنَّ الوعي بطبيعة تشكُّل جغرافيا وتاريخ وثقافة الصحراء، وطبيعتها، وقصة الاستعمار الأوربي المتعدد الأوجه للقارة الإفريقية (وما يخص المغرب انطلاقا من مؤتمر برلين سنة 1884)، وتاريخ الممالك الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء، وطبيعة العلاقات المغربية – الجزائرية، وهوية ومشروعية وتاريخ العائلة الحاكمة في المغرب، وموقِع الصحراء المغربية من إستراتيجيات الاحتلالَين الإسباني والفرنسي منذ أواخر القرن التاسع عشر وإلى مطالِع سنة 1978، وتاريخ دخول القضية رَدهات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتعقيدات السياسة الدولية وتعَدُّد المشاريع القانونية وغير ذلك. كل هذا؛ شديد الصِّلة بمخرَجات الزمن الراهن، ومُستوى استيعاب المواطِنين للقضية، وإمكانات النضال والترافع الـمُثمِر من أجلها. فالذي ليس في عقْلِه مِثقال ذَرَّةٍ عن تاريخ وذاكرة الصحراء ومسارها المتشعِّب؛ حتما لن يشعُر باستِمرارية النزاع ولا بطبيعته ولا ما الذي يستوجِب فعْلِه، وبالتالي؛ فذكرى حَدث المسيرة الخضراء، أو ذكرى استِرجاع وادي الذهب وسيدي إفني لحوزة الوطن، وذكرى الاتفاق الثلاثي لسنة 1975 وغيرها..؛ يجبُ أنْ يَكون في اتِّجاه إعادة بناء الوعي الـجماعي بالـحمولة التاريخية والسياسية والثقافية لقضيتنا الترابية، واستِلهام العِبرة مِن الـخِبرة المغربية وإخفاقاتها في إدارة النزاع، وتعبئة الـمواطنين لأداء أدوارهم الفردية والـجماعية في الدفاع عن الصحراء المغربية، والتعريف بـ”قِصَّتِها”، واستِثمار الـمُتاحات الدستورية والمـدنية لصياغة وتنفيذ خُطط دبلوماسية موازية لنصرة القضية.

يُشكِّل البُعد التاريخي الخلفية الحضارية والعُمق الثقافي والأمني في معركتنا اليوم ضدّ نزوعات الانفصال وخيارات التجزئة في المنطقة. وإذ لا يستَدْعِي هذا المقال مُجمَل المحطَّات والمعطيات والتفاصيل التاريخية؛ إلّا أنَّهُ يَستحضر جانبا مُهِمًّا مِن “التَّاريخ الوطني” لجُزء هامٍّ مِن أرض المغرب، أضحى اليوم مَحطَّ نزاع مُفتَعل عَويص، وإحدى أعقَد القضايا الخلافية في القارة السَّمراء. فقد سَعَت القوى الاستعمارية منذ بدايات القرن الخامس عشر الميلادي إلى احتلال المغرب التاريخي، وفي القرن التاسع عشر، وبالضبط منذ استعمار الجزائر 1830؛ تَوَسَّعت فرنسا على حساب التراب الصَّحراوي للمغرب شرقا وجنوباً(توات، القنادْسة، العبَادلة، المنابهة، كولومب بشار، لالة مغنية، تندوف..)، فضلاً عن بلاد شنقيط/موريتانيا (التي كانت مُستَعمَرة فرنسية ولكنها ظلت على صِلة بالمغرب منذ القِدَم، وقد كان المغرب حاضراً في المناطق الصحراوية التي تمتدُّ إلى النّيجر، حضوراً معنوية وماديا)، ثمَّ تَرَاضَتْ مَعَ إسبانيا بمُقتضى أوفاق ومعاهدات دُبّرَت في الخفاء على اقتسام المغرب، وجاءت اتِّفاقيةُ الحماية لتُكرِّس واقع هيمنة الإسبان على ما عُرِف بالصحراء المغربية الكبرى، وتنفيذاً متأخِّراً لمخطَّطِ الأحزمة الـمُلوَّنة الـمتوازية(1492) الشهير. وقد جُوبِهَ الاحتلال للجنوب الصّحراوي بمقاومة شعبية عارمة منذ عهْد المولى عبد العزيز، وامتداداً إلى 1959 مع جيش التحرير المغربي. كما واصَل المغرب جهودَهُ مِن أجل إعادة ضمّ الصحراء المغربية إلى حظيرة الوطن، بِبُعْدَين: سياسي-دبلوماسي، ونضالي-تَحريري، وحيدا؛ إذ كانت القضية واضحة تماما في ذلكم الطَّور (1953- 1960) قضية وجود استعماري في جُزء مِن تراب وطننا. مُستثْمِراً في النَّــفَس الاستقلالي للشَّعب المغربي وفي التوصية التي أصدرتها هيئة الأمم المتّحدة سنة 1960 القاضية بمنح الشَّعوب الـمُستَعمرة _ بما فيها سُكان الصّحراء المغربية_ استقلالها، كما أكّدت سنة 1966 على حقّ سكّان الصحراء الخاضعة للسيطرة الأجنبية في تقرير مصيرهم. غَيْرَ أَنَّ تحوّلاتٍ دراماتيكية عَصفت بالجوار المغربي – الجزائري، وصُعود دعوات الاستقلال عن المغرب مِن موريتانيا مع حِزب (المختار ولد دادّه)، وتأسيس جبهة البوليساريو في ماي 1973؛ دَفعت بالمغرب إلى نَقل مِلفّه إلى اللّجنة الرابعة المكلّفة بتصفية الاستعمار والتابعة لهيئة الأمم المتحدة، فَكان موقف إسبانيا إلى غاية 1974 هو الرَّفض، ثمَّ كانَ أنْ أعلنت إسبانيا عَزمها إجراء استفتاء داخلي في الصحراء تحت رعاية الأمام المتحدة، فرَحَّب المغرب بالاقتراح شريطَة أنْ تَنسحبَ القوات الإسبانية عن الصحراء، ويعود جميع اللاجئين الصحراويين، ويَتِمَّ التصويت تحت مراقَبة مباشِرة لهيئة الأمم المتّحدة، وأنْ يَتِمَّ الاتّفاق مع المملكة المغربية على وضْع الأسئلة التي ستُطرَح على الصحراويين.

وأمَام تَأَزُّم الوضع الدَّولي والرسمي للمغرب؛ عُرِضتالقضية (بتاريخ 25 مارس 1975) على أنظام محكمة العدل الدولية لإبداء الاستشارة، فجاء رَدُّها يوم 27 أكتوبر 1975 “نَـــعم.. ولكن”؛ مَوْقِفاً مُزدَوَجاً استثمر المغرب شَطر الجواب (نَعم)، فأطلق المسيرة الخضراء الـمُظفَّرة التي استرَجع بُعيدها الساقية الحمراء ووادي الذَّهب، بموجِب اتفاقية أْبرِمت بين الرباط ومدريد ونواكشوط يوم 14 نوفمبر 1975. تَلا ذلك تصويت “الجماعة الصّحراوية” لصالح انضمام الصّحراء للوطن سنة 1974، ثُمَّ توقيع معاهد ترسيم الحدود مع موريتانيا يوم 14 أبريل 1976، فَــتقديم ساكنة وادي الذهب البيعة للملك في غُشت 1979. وبحلول سنة 1981؛ دَخَلَت قضية الصحراء المغربية طوراً آخَر كانت أبرز فُصوله إعلان المغرب الرسمي عَزمَه اعتماد الاستفتاء التأكيديفي الصحراء في قمة نيروبي، وهو الاختيار الذي باء بالفشل، فكان أنْ غادر المغرب منظمة الوحدة الإفريقية(عاد إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017)، ودَخَل غمار حرب استنزاف طويلة الأمد ضدّ عصابات البوليساريو، لم يحُدَّ من شراستها إلا بناء الجدار الأمني. وعلى الصّعيد الدِّبلوماسي؛ ارتَهنَ المغربُ للتَّعليمات المركزية الأورو – أمريكية، وأضحت أطروحة “تقرير المصير” تحظى بالإجماع الدَّولي، وأصرّت الجزائر على الوفاء لعقيدة الانفصال وإمداد المقاتلين الصحراويين والمرتزقة الأجانب بالجَبهة بالمال والسلاح لإنهاك المغرب ووضْعِهِ في حالة (لا حرب، لا سِلم) كما وصفها الحسن الثاني، رغم ما كانَ مِن لحظات تقارُب بين الملك والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد ولقاءهما التاريخي على الحدود، فَضْلاً عن الاستقبال الذي حضِيَ به قادَةُ الجبهة مِن طرف الحسن الثاني يوم 4 يناير 1989 في قصره بمراكش.وابتداءً من سنة 1991 سَتَــتَقَدَّمُ الأمم المتّحدة بمقترح مخطط التسوية، وافقت عليه كل الأطراف، وشُرِع في تطبيقه بالموازاة مع وقف إطلاق النار الذي دخل حيِّزَ التنفيذ يوم 16 شتنبر 1991 تحت إشراف بِعثة المينورسو، وقد حالت خروقات في عملية تحديد هوية الصّحراويين الناخبين؛ وتَعنُّت الجزائر والجبهة دونَ نجاح التسوية؛ لِـيَدْخُلَ الملفُّ طوراً جديدا مَع الألفية الجديدة، إذ طُرِحَ في سنة 2001 مشروع “الحل الثالث” (قبِلَه المغرب ورفضته البوليساريو)، القاضي بإعطاء سُكّان الصّحراء حُكما ذاتيا في إطار السيادة المغربية، كما تمّ اقتراح “خطة مِن أجل السلام في الصحراء” سنة 2003، إلا أنهما باءا بالفشل، الأمر الذي حَفَّز المملكة المغربية لطرح مبادرة “الحكم الذاتي للصَّحراء”ابتداءً من سنة 2007، في إطار سياسة الجهوية الـمُوَسَّعة، وما استتبَع ذلك مِن قيام المغرب بحملة دبلوماسية مكثَّفة لإقناع الدُّول العربية والآسيوية والإفريقية واللاتينية والأوربية بواقعية مُقتَرحه، ناهيك عن استعادته لمقعده في الاتحاد الإفريقيفي أبريل 2017، ومنذ ذلكم الحين؛ تخوض أطراف النزاع مفاوضات مباشرة غير رسمية تحت رعاية الأمم المتحدة إلى يومنا هذا.

الإسناد المدني للقضية الوطنية.. بين أطروحة الانفصال وأطروحة الوحدة

أَحْصَى الباحث المغربي (الحسين مجدوبي) في مُؤَلَّفه “”ما وراء مضيق جبل طارق؛ الانتقال الديمقراطي والعلاقات المغربية الإسبانية”، مطبعة الخليج العربي – تطوان؛ وجودَ أزيد من 450 جمعية مدنية إسبانية مسانِدة للبوليساريو خلال 25 سنة الأخيرة، وأنّ أزيد مِن 250 مدينة وقرية إسبانية استَحْدَثَت نظام التَّــوأمة مع المخيمات التي كانتتسيطر عليها البوليساريو في تيندوف، ولم تتوقَّـف عن مَدِّ الجبهة بمختلف أنواع المساعدات وتنظيم حملات دعائية لها، وإنتاج أفلام وثائقية وسينمائية وإنشاء مواقع إلكترونية.. وبَقِيَت كثير من الجهات الرسمية وعلى رأسها البرلمانات الجهوية تُناكف المغرب في صحرائه، وتُعرقل جهود الأمم المتّحدة ومبادراتها للسّلام في المنطقة.

ورغم ما طَرَأ من تحوُّل في مواقِف كثير من أعضاء النخبة الإسبانية والمجتمع المدني؛ كالمراجعات والمواقف الإيجابية من قضية النزاع الصحراوي التي عَبَّرَ عنها وزير الثقافة والتعليم الإسباني الأسبق (خيرونيمو سافيدرا)، ومدير جريدة “لاراثون” الأستاذ (لويس ماريا أنسون)، والنائب البرلماني الإسباني بالبرلمان الأوربي عن الحزب الاشتراكي سابقا (رايمون أوبيولس) والذي شغل منصب رئيس اللجنة البرلمانية الأوربية لدول المغرب العربي ودافع عن خيار “الحل الثالث” الذي اقترحه مبعوث الأمين العام إلى الصحراء الدبلوماسي الأمريكي (جيمس بيكر). ومدير المخابرات الإسبانية (خورخي ديسكار) السفير السابق في الرباط الذي رفع تقريرا لحكومة (خوسي ماريا أثنار) ينصحه فيه بضرورة تبنّي ودعم خيار “الحل الثالث”، ووزير الخارجية الإسباني (جوزيف بيكي) الذي دَعا إلى دعْم الحكومة مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء التي اقترحتها المملكة المغربية فيما اعتبر تقدّما دبلوماسيا ورسميا من طرف مدريد إزاء الرباط؛ في السنوات الأخيرة؛ إلّا أنَّ هذا لا يُفيد تَراجُع القناعات والإسنادات المدنية لأطروحة الانفصال.

في الـمُقابِل؛ الدبلوماسية الموازرية التي من الـمفتَرض أنْ يَضطلع بها الـمجتمع المدني بالمغرب لصالح أطروحة الوحدة ومبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية ليست في الـمُستوى المطلوب ولا الدور المرغوب، مع ما يُمكن أنْ نُفصِح عنه من تنويه وتقدير لبعض الجهود الترافعية لفاعلين وحقوقيين ونُشطاء مغاربة، يُتاح لهم تمثيل جمعيات المجتمع المدني في فعّاليات بسويسرا وأمريكا وفرنسا أحيانا.

في هذا المقام؛ أُشيدُ بالمبادرة المتميّزة التي أشرَف عليها الأستاذ مصطفى الخلفي بإطلاقه ملتَقَيات وطنية وجهوية ومحلية في “الترافع المدني عن مغربية الصحراء”، وإبرام وِزارتِه اتّفاقات ذات طبيعة تأهيلية وتكوينية لدعم قُدرات المجتمع المدني في الدفاع عن القضية الوطنية، وتعبئة موارِد الجمعيات النَّـشِطة في هذا المجال، للتحرُّك في اتجاه جَعْل الترافع عن مغربية الصحراء على رأس جدول أعمالها. ونأمَل أن نُطالِع إحصاءات دقيقة لأسماء وأعداد الجمعيات المدنية الـمساهِمة في هذا الــ”حراك المدني” من أجل وحدتنا الترابية، وتبريز لأدوارها وأعمال بعض النُّشطاء والتعريف بمبادراتهم لتُشكِّل إثارةً للمتلقِّي الخامِد وللمجتمع المدني الجامد الذي ما يزال يعتبِر هذه القضية من الاختصاصات الحصرية للنظام ولوزارة الشؤون الخارجية والتعاون، أو في أقلِّ الأحوال، يستثْقِل _ نفسيا وفِكريا _ الحديث والدفاع عن القضية الوطنية، أو تخليد بعض المناسبات التي ترمز إليها وتُذكِّـرنا بها !

إنَّ ما بُذِل إلى حدود ذكرى مسيرتنا الخضراء لهذه السنة من جهود؛ مشكور ومحمود، ويَجب أن يُوازيه انخراطٌ موسَّع للحركة الطلابية وجمعيات التلاميذ والمؤسسات التربوية والإعلام العمومي والحرّ وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير والأساتذة الباحثين والأحزاب السياسية (باعتبار هويتها المدنية في الأصل) في تقوية مبادرة المغرب لإنهاء النزاع، ولإبداع حلولٍ مدنية لقضية تاهَت فيها الحلول السياسية والعسكرية منذ أزيد من أربعة عُقود، وتَـبنِّي أطروحة الوحدة بعُمق وطني وفلسفي وسياسي؛ لما تعنيه لِبلادنا وفضائنا المغاربي وعُمقنا الإفريقي من استِقرار وازدهار ورَفْضٍ للتجزئة وانحِشارِ أَنْفِ الاستعمار الجديد في أوطاننا وقضايانا الـحيوية.

كلّ الخير يأتي من الصحراء وكُلّ الشرّ يأتِي منها؛ نحو إنهاء النزاع

إنَّ مِن بين أهمّ الدروس والـعِبَر الـمُستَقاة من حدث المسيرة الخضراء وعُصارة تاريخ الصحراء وتقلُّبات مسارِها؛ أنَّه جاء تتويجاً لـمسارٍ طويلٍ من الحوارات والتواصل والتنسيق السياسي والنفير الـمدني والثقافي من أجلِ الصحراء، بل لم يكن للحدَث أنْ يَنْجَح في مقصده، ويُشِعَّ بثِقله في وسائل الإعلام الدولي والعربي والوطني، ويُحقّق المراد؛ لولا ما تَظافَر _ قَبْلاً _ مِن جهودِ التعبئة الوطنية وإطلاع قادة العالم على الخطوة، وبَعْث الـمثقَّفين والساسة إلى القارات الخمس لتحشيد الرأي العام المدني والسياسي قصْدَ دَعمِ المغرب في مسعاه لتحرير الأرض (علال الفاسي وامحمّد بوستة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله العروي وعلي يعتّة..) وآخرون كلَّفهم الحسن الثاني بإيصالِ مُخرَجات قرار محكمة العدل الدولية ونِية المغرب في تنظيم المسيرة الخضراء، بما يُفيدُ أنَّ الديمقراطية التشاركية واقتِسام المسؤولية إزاء قضايا بلادنا والبناء على التراكُم الـحاصِل؛ أمور بالغة الأهمية في استِكمال مِشوار الـمطالَبة العادِلة والدفاع المدني والـسَّعْي الرّسمي لاستِرجاع حقِّنا في أرضنا، إنصافاً لتاريخ المنطقة، ولحقائق الجغرافيا، وتخفُّفًا من إرْثِ ثِقْلِ ماضي الخلافات والشِّقاقات بين الجزائر والمغرب.

ومِن دروسها كذلك؛ أنَّ وِحدة الصفّ الداخلي وتقوية المسار الديمقراطي شَرْط واقِفٌ لخوض تجربة النضال الخارِجي، ذلكَ أنَّ لقاءات الملِك الحسن الثاني المتكرِّرة مع قادة أحزاب المعارضة التاريخية وإطلاق سراح المعتقلين وبداية الإعلان عن مسار الانتقال الديمقراطي؛ سهَّلت إيجاد ما أَطْلَق عليه المؤرخ الفرنسي (بيير فيرمورين) “الـرِّباط الـمُقَدَّس”، وتخصيص سنة 1974 – 75 سَنة الصحراء بامتياز. وأنَّ مُناخ الثِّـقة المتبادَلة بين الشعب والعرش والأحزاب السياسية؛ من شأنِها أنْ تُيسِّر التِقائية الإرادات والعَزمات والمبادرات، وتَرُصّ الصفوف لمواجهة حتمية التحديات القائمة.

كما أنّ القصر والقوى الوطنية أَحْسَـنَا الاستِثمار في الشعور الوطني الفيّاض للدفاع عن البلاد وحَرارة النضال من أجل الوطن التي كانت لا تزال تَسْري في أوصال الشعب المغربي الذي لم تكن تفصِله عن ملحمة الاستِقلال والكفاح غير 15 سنة، وجيش تحرير الجنوب الذي كان إلى غاية 1959 ما يزال يُقاتِل القوات الإسبانية لإجلائها عن الصّحراء. كما أجادَ الـملك استِثمار ما رآه من مُبادرات الأحزاب الوطنية التي كانت إلى ذلكم التاريخ، تجْعَل من لقاءاتها ومؤتمراتها وفعّالياتها؛ مِنصّات لاحتضان النقاش عن مصير الصحراء “الغربية”. وفي هذا الصدد نُذكِّر أنَّ المثقف السياسي الراحل محمد عابد الجابِري أكّدَ في “مذكّراته السياسية والثَّقافية” أنَّ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة الزعيم الوطني الغيّور (عبد الرّحيم بوعبيد) نظَّم وقادَ مسيرة شعبية سلمية حاشِدة في مدينة أكادير للمطالبة بجلاء الاستعمار الاسباني واستِرجاع الصحراء الغربية؛ الأمر الذي شكَّلَ فُرصة استِثنائية اسْتَثْمَرها الحسن الثاني وطوَّر الفِكرة في اتجاه تنظيم مسيرة خضراء رائدة. وفي ذات السياق؛ ذَكر الراحل (الجابري) في الفُصول (29 – 37) من الجزء الثالث من كتابه  “في غمار السياسية؛ فِكراً وممارسةً”، أنَّ فِكرة عَرض قضية الصّحراء على أنظار محكمة العدل الدّولية كانت مِن بنات أفكار الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد، التي وافَقه عليها الملك الراحل، وأحال الملف على قُضاة لاهاي، واستثمَر وقْتَ التوصُّل بالجواب في التحشيد والتعبئة الداخلية والخارجية لحَدَث المسيرة الخضراء الشّعبية.

إنّ الخير؛ كل الخير، للبلد وللعائلة الوطنية ولفضائنا المغاربي وللجوار الإفريقي ولتجربتنا الديمقراطية يأتي من الصَّـحراء، وكلُّ الشر _ بتعبير الحسن الثاني _ يأتي منها. فلنُواصِل المسير، حريصين على تعبئة جميع الوسائل البشرية والعسكرية والاقتصادية والفكرية والتنظيمية التي نملكُها للدفاع عن وحدة البلاد وسلامة أراضي الوطن، ومُستندين إلى خِبرتنا التاريخية في التعايش والسِّلم والحوار، وإلى وثيقتنا الدستورية وأطروحة الوحدة، داعمين لمقترح دعم مقترح الحكم الذاتي لجهة الصحراء، ومُواصِلين لجهود إنهاء النّزاع وتحرير الصحراء المغربية التي نعتبرها قِسماً هامّاً من التراب الوطني استناداً إلى مبدأ وحدة التراب الذي تَضَمَّـنَتْهُ كلّ الأوْفاق الدولية، ومتشبِّثين بالوطنية المـتفَتِّحة، الوطنية الـمؤمِنة بوحدة المغرب الكبير كضرورة تاريخية، وعازِمين على مزيدٍ من ثقافة التـملُّك العمومي لقضية الصحراء، فهي مِلكٌ للشَّعب والأمة المغربية والنِّظام المغربي.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: