صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

“تزفيتان تودوروف..فيلسوف الغيرية” بقلم عبد الرحيم بوشعيب مفكير

عبد الرحيم بوشعيب مفكير- أستاذ باحث

تقديم:
تزفيتان تودوروف (1939 ــ 2017). البلغاري الأصولا الفرنسي الجنسية، وعلى مدى نصف القرن الماضي، عدّ واحداً من أبرز أقطاب الفكر النقدي ذي النزعة الإنسانية، وقامةً فكرية متعددة الاختصاصات، إذ قدّم إسهامات بارزة في مجالات بحثية شتى، من النقد الأدبي واللسانيات إلى علم الاجتماع والفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار.

نلامس من خلال هذه المقالة بعض معالم فكر تودروف حول الديمقراطية والغيرية، ورؤيته الفلسفية واهتمامه بعلم الاجتماع والانثروبولوجيا وتاريخ الأفكار، ونزعته الإنسانية وقوة نقده للحروب الاستعمارية الأوروبية، والتوليتارية الغربية، ودفاعه المستميت عن القيم الإنسانية، والتصدي لمشاريع الهيمنة الأمريكية، وتنديده بالتدخل في ليبيا، وهل نقده للديمقراطية الغربية الليبرالية وصفة سحرية للتوافق على ديمقراطية حديثة ترسخ لقيم التسامح ومجتمع السلم وتنهي حالة الدمار والحرب وأعطابها؟

مسار  رجل:

وُلد تودوروف في صوفيا عام 1939. على مدى ربع قرن، واكب نشأة وتنامي القبضة الحديدية للأنظمة الشمولية الستالينية في الكتلة الشرقية سابقاً، قبل أن يغادر الى باريس، لاجئاً سياسياً، عام 1963. اشتغل في بداياته على النقد الأدبي، ولفت الأنظار منذ باكورته «نظرية الأدب، نصوص من الشكلانيين الروس» (1965)، التي لم يلبث أن أتبعها بـ «الأدب والدلالة» (1967)، الذي كرس شهرته كباحث، وخوّله الالتحاق بـ «المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي» عام 1968.

من خلال هذه المؤسسة المرموقة، تكرّست شهرة تودوروف، خلال عقد السبعينيات، كواحد من أبرز أقطاب المدرسة البنيوية في النقد الأدبي. قدّم في هذا الشأن إسهامات فارقة اندرجت ضمن ثلاثيتين. تمثلت الأولى في «مدخل الى الأدب الغرائبي» (1970)، و«شعرية النثر» (1971)، و«ما البنيوية؟» (1977)، بينما ضمت الثلاثية الثانية «نظريات الرمز» (1977)، و«الرمزية والتأويل» (1978)، و«أصناف الخطاب» (1978).

مع بداية الثمانينيات، ابتعد تودوروف تدريجاً عن النقد الأدبي، رغم أنّه عاد وأصدر لاحقاً أبحاثاً أدبية عدة، انتقلت اهتماماته الى مجالات بحثية أرحب، كالفلسفة وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا وتاريخ الأفكار. اتسمت مؤلفاته الفكرية بنزعة إنسانية استعادت إرث الأنوار الأوروبية، لكن بمنظور نقدي. فقد دافع عن القيم الإنسانية التي انبثقت عن فلسفة الأنوار الأوروبية، في بعدها العالمي الشامل، مخالفاً بذلك دعاة «النسبية الثقافية» (كلود ليفي ستروس…). لكنه لم يقع في فخ تمجيد الأنموذج الغربي، إذ حملت أعماله نبرة نقدية معارضة لهيمنة المركز الغربي، الذي لا يتوانى عن التنكر للقيم والمبادئ الإنسانية، التي يُزعم أنه يرفع لواءها، كلما تعارضت مع مصالحه الآنية.
هذا المنحى النقدي في فكر تودوروف انصب في مرحلة أولى، خلال الثمانينيات، على نقد الحروب الاستعمارية الأوروبية، من خلال أعمال كـ «غزو أميركا: سؤال الآخر» (1982)، و«السعادة الواهية: بحث عن روسو» (1985)، و«نحن والآخرون» (1989). ثم امتدت لاحقاً لتشمل نقد التوتاليتاريات الغربية، التي هزت العالم، خلال النصف الأول من القرن العشرين. وأصدر في هذا المجال مؤلفات كثيرة، لعل أشهرها «في مواجهة التطرّف» (1991)، و«الحديقة المنقوصة: الفكر الإنساني في فرنسا» (1998)، و«هشاشة الخير: إنقاذ يهود بلغاريا» (1999)، و«ذاكرة الشر، غواية الخير» (2000).

امتداداً لتلك الروح النقدية، تصدّت أعمال تودوروف، مع بداية الألفية الجديدة، لمشاريع الهيمنة الأميركية، من خلال مجموعة من المؤلفات المدوية، كـ«اللانظام العالمي الجديد» (2003)، و«الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات» (2008)، و«الأعداء الحميميون للديموقراطية» (2012).

ورغم أنه اشتهر بحرصه على النأي بالنفس عن الشأن السياسي الآني، إلا أن تودوروف لم يتردد، خلال السنوات العشرين الأخيرة، عن المجاهرة بمواقف سياسية معارضة بشدة للهيمنة الأميركية، من منطلق أنّ «غواية فرض الخير بالقوة أخطر من كل الشرور»، مستشهداً في ذلك بمقولة شهيرة لفلاديمير غروسمان (1884 – 1976)، مفادها أنّ «الشر الأكبر إنما يصدر عمن يسعون لفرض الخير بالقوة على الآخرين».

من هذا المنطلق، عارض تودوروف تدخل حلف الأطلسي لتفتيت آخر ما تبقى من يوغوسلافيا، عبر فرض استقلال كوسوفو عن صربيا عام 1999، ودان الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وندّد بالتدخل الأطلسي في ليبيا عام 2011 بحجة نشر الديموقراطية.

وقد فسّر تودوروف النبرة النضالية غير المعهودة التي اتسمت بها مواقفه تلك، في حوار أدلى به لمجلة «لوبوان» الفرنسية، عام 2012، قائلاً: «إننا (في الغرب) نشهد، منذ 20 سنة، مدّاً تبشيرياً يتمثل في الزعم بأننا نستطيع نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، عبر فرضها بالقوة على الآخرين. وهذا، في نظري، أمر مريب ومثير للقلق».

وبالرغم من أن الأبحاث الفكرية ذات المنحى الفلسفي والتأريخي اتخذت مكانة مركزية في أعمال تودوروف، منذ مطلع الثمانينيات، الا أنه ظل وفياً لحبه الأول: النقد الأدبي. في موازاة ازدهار أعماله الفكرية، أصدر أيضاً أبحاثاً أدبية عدة، منها «نقد النقد» (1984)، و«مفهوم الأدب» (1987)، و«الأدب في خطر» (2007).

كما كان له اهتمام خاص بالفن التشكيلي، وبالأخص بفناني عصر النهضة، من خلال مؤلفات كـ «الفن أو الحياة، رامبرنت نموذجاً» (2008)، و«غويا: في ظلال الأنوار» (2011). وفي بيان التأبين الذي أرسلته ابنته، أول من أمس، لوكالة الأنباء الفرنسية، قالت إنه أنهى قبيل رحيله مؤلفاً جديداً، تحت عنوان «انتصار الفنان»
ولم يكن مفاجئاً لمن عرفوا تودوروف عن قرب أن يكون عمله/ الوصية هذا مخصصاً للفن. فقد كان يقول على الدوام بأنه لا يعتبر نفسه فيلسوفاً، بل ناقداً أدبياً مهتماً بتاريخ الأفكار. وكان يفسر ذلك بقوله إنّ «الأفكار حين يعبّر عنها أدباء أو فنانون، تكون أكثر قوة وتأثيراً من أفكار الفلاسفة»!

الحضارة، الديمقراطية،  والغيرية عند تودروف:

انبرى الفيلسوف والمفكِّر الفرنسي/ البلغاري تزيفتان تودوروف لتفكيك الخطاب الذي يجنح إلى التبسيط والاختزال، فيشير بأصابع الاتِّهام إلى الآخر الأجنبي على أنه مصدر الخطر، خصوصاً إذا كان هذا الآخر مسلماً. إن كتاب تزيفتان تودوروف الموسوم بــ«الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات» دفاع إنساني لبناء جسور الحوار بين الحضارات، ونسف لأطروحة الصدام التي رَوَّج لها صامويل هنتنغتون بهدف إشعال فتيل الحرب بين الغرب والشرق.
وانطلاقاً من مقاربة متعدِّدة الأبعاد تتقاطع فيها حقول معرفية متنوِّعة: علم النفس، علم الاجتماع، التاريخ، الفلسفة، الأنثروبولوجيا، ينِبّه تودوروف الغرب إلى خطر الخوف المَرَضي من الآخر – خصوصاً الإنسان المسلم- لأن الإذعان لهذا الخوف الذي أضحى رهاباً يقضّ مضجع الغربيين دفعهم إلى اعتبار الآخر بربرياً، ومن ثَمَّ مارسوا ضدّه سلوكيات أكثر إغراقاً في البربرية والوحشية، وخير شاهد على ذلك ما حدث في سجنَيْ أبو غريب وغوانتانامو.
ويدعو تودوروف إلى التحلّي بالتسامح مع الآخر ومع الأقليات التي تعيش داخل الغرب، من خلال الدعوة إلى التعايش مع الثقافات المختلفة لإرساء أسس التعايش والحوار مع الآخر، ويهاجم، بعين حصيفة ورؤية ثاقبة، الشعبوية اليمينية المتطرِّفة التي استقوت، وتوطّدت بسبب خطابها المعادي للآخر، حيث تنسب علل المجتمع الغربي إلى الأجنبي المسلم، فهو يحثّ الغرب على التصدّي للشعبوية التي تغري الكتلة الجماهيرية وتجاملها بممارسة العنصرية ضدّ الأجانب عن طريق العزف على أوتار القيم الديمقراطية والمثل العليا لعصر الأنوار، ويحذِر الغرب، بل العالم أجمع، من خطاب الكونية الزائفة حيث يسعى الغرب بشكل جنوني وبطرق غير مشروعة إلى إسقاط منظوره الحضاري على الشرق على اعتبار أن حضارته هي الأرقى والأرفع منزلة، فيقصي الطرف الآخر، ويقضي على خصوصيته..
ولتحقيق هذا المبتغى، يلجأ الغرب إلى القوة العسكرية التي يُلطّفها بعبارة بلاغية توروية : «التدخُّل الإنساني» لنشر النور والحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا ما فعله الغرب في العراق وأفغانستان. لكن، كما يلاحظ تودوروف، فإن هذا التدخُّل كان مخِيّباً للآمال بسبب ما ارتكبه الجيش الأمريكي من حروب قاتلة ومدمِّرة، ويدعو صاحب «الأدب في خطر» الغرب إلى التسلُّح بالقوّة الناعمة التي تؤمن بجدوى الحوار واحترام خصوصية الآخر.
وبحسّ نقدي رفيع ونزعة إنسانية صادقة يهاجم الأصوات المتطرِّفة في الغرب التي تعادي الآخر بطريقة تنمّ عن الغطرسة والصلف. تقوِّض كتب تودوروف الآراء العنصرية للكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي التي ترى أن «الإقدام على الحديث عن ثقافتين أمر مزعج، أما وأن نتحدث عن المساواة بينهما فذلك أمر يثير غضبي «، كما ينسف تودوروف الرؤية المتعالية للكاتب إيلي برنافي في كتابه «الأديان القاتلة»، الذي يرى أن هناك الحضارة من جهة، والبربرية من جهة أخرى، وبينهما لا مجال للحديث عن الحوار»

عين تودوروف بآراء أنثروبولوجيين يتَّسمون بنزعة إنسانية، كالفرنسي كلود ليفي ستروس الذي يرى «أن الحضارة تراث إنساني مشترك»، وهذا ما يتردَّد صداه في كتب تودوروف التي تدعو إلى الحوار، وتحمل الحكمة والنصيحة للغرب كي يكفّ عن احتقار الآخر، ولرجال السياسة كي يعملوا على وقف التدخُّل العسكري المدمِّر الذي يذكي جذوة الصراع، ويشعل نار الكراهية، فالخير عنده لا يُفرض بالقوة، بل بالحوار والاقتراح.

ولا غرو أن يعتبر تودوروف اليوم – حسب مترجم الكتاب ومعده- من أبرز المفكِّرين المعاصرين الذين قاموا بإثراء الفكر الإنساني، حيث تُرجمت أعماله إلى لغات متعدِّدة؛ وذلك لما تحمله من رؤية مرجعية فكرية لا غنى عنها في تحليل القضايا الراهنة. إنه الكاتب الكوني، والمفكِّر العالمي، وواحد من نخبة المثقَّفين الذين بصموا التاريخ بمواقف جريئة من أجل بناء جسور الحوار بين الثقافات المختلفة عن طريق نقد مكامن الانحراف في الفكر الغربي، لكشف تشوُّهاته وتحيُّزاته المغرضة التي تتعارض مع الجوهر الإنساني المؤمن بالحوار والتعايش مع الآخر، بغضّ النظر عن اللغة والدين والعرق.

الخوف من البرابرة:

يعتبر تودوروف أن الحرب ضدّ الإرهاب برَّرت العديد من الجرائم التي ارتُكِبت بضمير مرتاح، خصوصاً الشرعية التي تَمَّ إضفاؤها على التعذيب من قِبَل الديمقراطيات الغربية. ويحذِّر من «الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة»، فضلاً عن هذا، هناك ضرورة أخرى تتمثَّل في الرجوع إلى تاريخ الأفكار؛ تودوروف ليس الأحسن والأفضل إلا حين يتناول القضايا الكبيرة والمفاهيم المشحونة بحمولة فكرية (البربرية، الهويّة الجماعية، الثقافة، الحضارة، القيم الأخلاقية، الإرهاب، حقوق الإنسان، حرّيّة التعبير)، حيث يزيل عنها الغشاوة واللبس لتستعيد صفاءها وأَلَقها. وينبغي على المرء، بعد قراءة «الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات « لتودوروف، أن يغوص ثانية -بشكل عميق- في قراءة كتابه الآخر «نحن والآخرون»، الذي يُعَدّ رحلة موسوعية شاملة حول التنوُّع البشري في الفكر الفرنسي، من مونتين إلى كلود ليفي ستروس. إن كتاب تودوروف دعوة للحوار بين الثقافات «كل ثقافة لا تتجدَّد وتتغيَّر هي ثقافة ميتة «، بتعبيره. فبناء جسور الحوار بين البشر والحقول المعرفية، احترام تعدُّد الهويّات، تلك هي الأنماط التي يدعو إليها تودوروف في كتابه «الخوف من البرابرة»، وهو يصبو، في هذه الفترات العصيبة التي تمرّ بها البشرية، إلى أن يمنح الناس قوّة جديدة كفيلة بدحر الخوف وإسقاط عوائق الحوار بين الحضارات.

يتَّسم تودوروف بمواقف إنسانية تؤمن باحترام معتقدات الآخرين. تجلّى هذا الموقف في قضية الرسوم الكاريكاتورية عن الرسول الكريم (ص) وكلمة البابا راتيسبون، حيث ثار تودوروف على ما وصفه بــ «خطف التنوير» من قِبَل «المدافعين المحافظين في الثقافة الغربية السامية» الذين ينصِّبون أنفسهم -بكثير من الادّعاء، دون أي تخوُّف من إفساد التوافق السائد – إلى جانب الحرّيّة ضدّ ظلام القوى الرجعية»، وتحذوه رغبة عارمة في أن يكفّ الفرنسيون والأوروبيون والغربيون عن تغذية المقولة الشهيرة «صدام الحضارات»، التي يزعمون أنهم يطعنون في صحَّتها، كما يدَّعون أنهم تحرَّروا منها، وتجاوزوها، ويسخر في كتابه «الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات» كل موهبته الفذّة، وقناعته التي يستشعرها المرء في كل صفحة من كتابه، كما يوظِّف ثقافته الفلسفية لتطهير وطرد هذا الخوف من «البرابرة المتخِلّفين»، الذي غزا الولايات المتحدة الأمريكية، والغرب بكامله، بسبب أو بذريعة أحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذا الخوف الذي قاد الغرب إلى التخندق في نزعة مانوية، وإلى شَنّ حرب ضدّ الرعب بناءً على مواقف وذرائع يشوبها الكثير من الالتباس والغموض، بحيث أصبح الغرب لا يرى المسلمين إلا من خلال الإسلام، كما عجز عن التمييز بين الإسلام والإسلام المتطرِّف، والإسلام المتطرِّف والإرهاب. الشيء الذي جعل الغرب لا يفكِّر إلا في استخدام القوة كَرَدّ فعل على هذه البربرية المزعومة، فامتنع بذلك عن كل تحليل أو إجراء سياسي. في الوقت نفسه، يعِبّر المحِلّل الأمريكي فريد زكريا في كتابه «عالم ما بعد أمريكا « عن دهشته في رؤية الدولة الأقوى في العالم تعيش في براثن الخوف من كل شيء، ومن الآخرين أيضاً.

ويُسْعف تودوروف الحظّ ليجعل كل قارئ يتميَّز بالإخلاص وحسن النيّة، يقوم بتفكيك الاستعمال الاستفهامي التخيُّلي الخادع لعبارة «برابرة متخِلّفون» المستخدمة تاريخياً -يعدّ المرء دوماً بربرياً متخِلّفاً مقارنة مع الآخر-، كما يفسِّر تودوروف أن «الهويّات الجماعية» اتَّسمت تاريخياً، بالتعايش بحيث لم تتوقَّف عن التفاعل والاغتناء القائم على روح المقايضة والتبادل، فضلاً عن هذا، إنه يرى أن الحرب التي تجري رحاها في العالم والتي تبدو حرباً لا مناص منها، يمكن للمرء أن يتجنَّبها، خصوصاً، إذا عرف كيف يذِلّل العقبات، ويدرأ المخاطر حين يتعلَّق الأمر بالعلاقة المتأجِّجة للإسلام مع الغرب.

القوة الناعمة:

في كتابه «أعداء الديمقراطية الحميمون» يعتبر تودوروف أن قوة دولة ما أو مجموعة من الدول لا تتحدَّد بالقدرة العسكرية، بل بتكامل مجموعة من العوامل كالقدرة على التأثير، تعزيز القيم، والقوة الجاذبة، التحلّي بسلوك الإقناع بدل الإلزام، الحوار بدل الإكراه، والجذب بدل التحريض، فموارد القوة الناعمة – على عكس القوّة الخشنة التي تحيل على العمل العسكري والإكراه والهيمنة الاقتصادية – هي الثقافة، القيم السياسية، وكيفية تطوير سياسة التعاون البنّاءة القائمة على تعدُّد الأقطاب، وتمثل القوة الناعمة حقيقة جوهرية ذات رسالة كونية ينبغي تقديمها للعالم، و تتطلَّع هذه القوة الناعمة إلى فرض نفسها على العالم كسلطة أخلاقية عن طريق سياسات التعاون، الدبلوماسية الوقائية، وأيضاً المساعدة على الإنماء والتطوُّر، ويكمن التأثير في إنتاج المعايير، في تنظيم العولمة، وفي نهج مقاربة للعلاقات الدولية التي تنتصر للقانون والنظام عن طريق رفض تطبيق ارتكاس هوبز القائم على سياسة فرض الأمر الواقع، ويتمّ تحقيق توازن القوى عن طريق ما يسمّى القوّة الناعمة، أي التوازن بين خصائص القوة الناعمة وخصائص القوة الخشنة (القوة العسكرية).

ويؤكِّد تودوروف على أهمّيّة تحسين النظام الاجتماعي في النموذج الديمقراطي، فهو الشيء الذي يتضمن المراقبة والحظر والحكم، وهذا هو الشيء الضروري، خاصة في الجمهوريات التي تحكمها المصالح الخاصة، ويسود فيها الإخلال بأمانة الوظيفة، حيث يتمّ النزوع إلى اختزال الديمقراطية في الفعل الانتخابي ورفض التركيز على نوعية النقاش (التعدُّدية)، نشاط المؤسَّسات (الفصل بين السلطات)، نشاط المجتمع في علاقته بهذه المؤسَّسات.
حتى لو كان هناك وجود لأزمة الثقة في الليبرالية، للحَدّ من صلاحيات السلطة، فإن ثمة -أيضاً- أزمة ثقة ديمقراطية، لكي نكون متشدِّدين وصارمين إزاء السلطات، كما أن هناك أزمة ثقة شعبوية، لفضح ونبذ السلطات بطريقة منهجية، فمن غير المستحسن وضع حَدّ للديمقراطية التي تحتاج إلى إعادة التنظيم والقيام بتسويات من أجل الانتعاش.
يمنح هذا الكتاب لفرضيات توكفيل الاتّساق النظري الكامل. لا شكَّ، أن المسألة التي تميَّزَ فيها توكفيل، بوصفه صاحب رؤية ثاقبة، هو قدرته على التوقُّع بشكل مسبق للتأثيرات الوخيمة في مسألة المساواة الاجتماعية غير أن كتاب «أعداء الديمقراطية الحميمون»، قد يعتقد المرء أن رتابة المجتمعات والانتصار العالمي للشعبوية يؤكِّدان توقُّعات تودوروف المتشائمة.

سقوط الجدران:

يشير «ذاكرة الشر، إغواء الخير» إلى أننا ندرك مآل سقوط جميع الجدران لا يشكِّل إلا قدراً صغيراً من العزاء للذين يعانون تحت وطأتها اليوم، ويجب أن نأخذ في الحسبان مدى تأثير هذه الجدران على حياة الإنسان وهو حَيّ، ولا على مستوى التاريخ أو بدرجة أقلّ، فيما يتعلَّق بتآكلها الطبيعي.

لقد سقط جدار برلين بعد أربعين عاماً بعد تطويق الاتحاد السوفييتي لمناطق نفوذه بعد الحرب العالمية الثانية. أربعون سنة من الاختناق وضيق الأنفاس داخل سجن مفتوح، في الوقت الذي لا يملك فيه الإنسان سوى حياة واحدة، وليس بمقدورنا أن نتغاضى عن وجود السجن، ونحيا بانتظار التغيير، لا سيّما بالنسبة إلى الذين كانوا يرزحون تحت وطأة هذا الوضع، وينتابهم الشعور بأن الأمر سيدوم لقرون، وينبه إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن النشأة داخل الجدران تشوِّه الإنسان من الداخل، فينتهي به المطاف إلى نسيان أن هناك حياة خارج السجن، وفي أحسن الأحوال يتأجَّج داخل المرء المطوَّق بالجدران شعور بالكراهية يدمِّر الذات، الشيء الذي يجعل الإنسان يفقد القدرة على تمييز الألوان؛ ولذلك ليس هناك ما يدعو للاطمئنان.. فالجدران، حتى لو تحوَّلت إلى أنقاض، تبقى حَيّة أكثر من حياة البشر.

ولأن الجدران ترمز إلى الخوف من الآخر، هناك فئة من الجدران تسم عصرنا الحديث : الجدران المناهضة للمهاجرين. وهذا النوع من الجدران متأصل بشكل جوهري في العولمة، وذلك ما يشكل تناقضا في طبيعتها، ويعتقد تودوروف أن إقامة هذه الجدران هو رد فعل الأغنياء إزاء تداعيات العولمة على الفقراء، علما أن جوهر الجماعات البشرية والحيوانات الراقية يكمن في القدرة على إقامة علاقات مع مجموعات غريبة عنها تكون من جنسها نفسه. ويبقى الخوف هو رَدّ فعل ممكن في هذه الظروف، ولكنه ليس رَدّ الفعل الوحيد. فحين تنسج جماعة بشرية روابط مع جماعة أخرى، ويحدث أن تتضارب مصالحهما فإن خيار الانفصال أو الهروب أو إقامة جدار فاصل هو الحلّ الممكن.
وعلى ضوء تضارب المصالح، يمكن للطرفين الانخراط في عملية مفاوضات؛ وهذا يتطلب تنازلات من الجانبين، ويكتسي التفاوض أشكالاً عديدة هدفها النهائي تجنُّب القطيعة والحرب والخضوع، فبدل الخوف من الآخر يجب التشبُّث بالتفاوض لأنه جوهر النوع البشري؛ وذلك لكونه يحثّنا على الحوار والأخذ بعين الاعتبار البعد الزمني، الماضي كما المستقبل.

العنوان المربك ” أعداء الديمقراطية الحيميمون”

يضعنا تزفيتان تودوروف في هذا السياق، بعد كتبه التي كرّسها للنقد الجيوسياسي، بما في ذلك ذاكرة الشر، إغواء الخير (2000)، الفوضى العالمية الجديدة (2003)، روح الأنوار (2007)، والخوف من البرابرة، ما وراء صدام الحضارات (2008)، يضعنا أمام عنوان مُرْبك: أعداء الديمقراطيّة الحميميون(Les ennemis intimes de la démocratie,) الصّادر حديثاً 2012. حيث يتعرّض لمشكل الديمقراطيّة، ويذكر أنّ الديمقراطيّة الغربية تشهد انحرافات جديدة ومتزايدة داخل المجتمع، باتت تهدّد الديمقراطية، مثل النزعة الوطنية المفرطة، وكراهيّة الأجانب، ونفوذ وسائل الإعلام، والليبراليّة المتوحّشة وهيمنة الجانب الاقتصادي على الجانب السياسيّ. فالأخطار المحدقة بالديمقراطيّة والمهدّدة لوجودها أصلاً، لم تعد متمثلة في الخطر الخارجي المتمثّل في الإرهاب الناتج عن التطرّف الديني أو في وجود أنظمة دكتاتوريّة مثل الفاشيّة والشيوعيّة، خاصّة بعد زوال الأنظمة الكليانيّة نهاية الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين (1989)، بل في جملة من المخاطر الداخليّة التي تتمثّل في الأعداء الذين أفرزتهم، إنّهم يمثّلون أبناءها الذين نشؤوا من رحمها، لكنّهم غير شرعيين. تضمّن الكتاب سبعة فصول: قلق في الديمقراطيّة: (Malaise dans la démocratie)، مناظرة قديمة (une ancienne controverse)، الميسيانيّة السياسيّة (Le Messianisme politique)، استبداد الأفراد (La tyrannie des individus)، استتباعات الليبراليّة الجديدة (Les effets du néolibéralisme)، الشعبويّة وكره الأجانب (populisme et xénophobie)، ومستقبل الديمقراطيّة (L’avenir de la démocratie).  

لقد حلّ تزفيتان تودوروف بباريس عام 1963 طالباً اللجوء السياسيّ تاركاً وراءه بلغاريا ترزح تحت وطأة الاستبداد السوفياتي وخرافة الأنظمة الشيوعيّة. انشغل بقضايا أنثروبولوجيّة، ثقافيّة وسياسية مختلفة ومتداخلة رغم أنّه ابتدأ مؤرّخاً للأدب وناقداً له من جهة اهتمامه بالتيّار البنيوي خاصّة. لقد كان اهتمام تودوروف موجّهاً نحو فهم القضايا الراهنة، فكانت جلّ كتاباته صادرة عن تجاربه المعيشية المتذمّرة من طغيان الأنظمة الكليانيّة، وغياب الحريّات الفكريّة، ومن الحروب التي تشنّها الديمقراطيات الغربية باسم إيديولوجياتها ضدّ بلد آخر (حرب الكوسوفو، حرب العراق). ثمّ شكلت فترة الثمانينات منعطفاً حاسماً في مسار بحثه العلمي والنظري، إذ انتقل تودوروف إلى دراسة الآليات التي يُقصى بموجبها الآخر من لدن الغرب الاستعماري، وانكبّ على دراسة الظاهرة الاستعمارية الاستشراقية وموقع الآخر في التصور الغربي لحظة اكتشاف أميركا أو إنشاء المستعمرات الأوروبية.

فقد “كان القرن العشرون قرن حروب عاتية بين الديموقراطية والتوتاليتارية. بين النازية والشيوعية”، على ما يشير تودوروف في مؤلفه ذاكرة الشر، غواية الخير، الذي تخترقه نزعة لألبير كامو المتشائلة. ساعدته أشغال جيرمان تييون على تفكيك الخطاب الاستعماري، فيما وفرت له دراسات إدوارد سعيد حقلاً سياسياً وأنثروبولوجياً لتعميق المقاربة لمسألة الآخر بصفته صورة مبتكرة تنهل منها بسخاء الإيديولوجيا الاستعمارية-الإكزوتيكية. وليس بالغريب أن يقدّم تودوروف إدوارد سعيد إلى قرّاء الفرنسية وذلك بتصديره لكتاب الاستشراق بالفرنسية. عمد تودروف في كتاب “نحن والآخرون” إلى دراسة الآليّات التي  قام عليها التاريخ الحديث. والشاغل الذي ما فتئ يتكرر في شاغله النظري هذا، وهو الذاكرة وآلياتها الشاطبة. في هذا الصدد يشير: “خسرت الحياةُ ضد الموت، لكنّ الذاكرة تفوز دائماً ضد العدم”.

من هم أعداء الديمقراطيّة؟

يكتب تودوروف في الفصل الأوّل (قلق في الديمقراطيّة، Malaise dans la démocratie) من أعداء الديمقراطيّة الحميميون: “إنّ الديمقراطية أفرزت بنفسها القوى التي بات تتهدّدها، ومن مستجدّات زمننا أنّ هذه القوى تتفوّق على تلك التي كانت تهاجمها من خارج. وسيكون من الصعب على القوى التي تحاربها والتي تعمل على تطبيعها أن تستدعي الروح الديمقراطية، ومن ثمّة تمتلك مظاهر الشرعيّة”.

لقد باتت الديمقراطيّة في الغرب مريضة، تُحتضر على حدّ تعبير تودوروف بسبب المبالغة التي تحيط بها: مبالغة في الحريّة، مبالغة في التقدّم، مبالغة في إعطاء الحكم للشعب. لذلك لا يخفي تذمّره منها، لكونها صارت مخيّبة للآمال ومتناقضة مع نفسها، رغم استحضاره لتجربة العيش ضمن دول كليانيّة ومعاينته للفرق بين الأنظمة الكليانية والأنظمة الديمقراطيّة. (أمضى تودوروف ثلث حياته الأوّل في دول كليانية، والثلثين في دولة ديمقراطية ليبرالية).

ولعلّ الغريب في الأمر هو أنّ الديمقراطيّة صارت مهدّدة من الداخل، “فعدوّ الديمقراطيّة كامنٌ فينا نحن”. ذلك أنّ “أعداء الديمقراطيّة الحميميون” ينشؤون عن الآثار القاسية التي تأتت من حاجة عميقة إلى الديمقراطيّة: الخطر الأوّل متأتٍّ من مطلب التقدّم، فتتحوّل الرّغبة في الدّفاع عن التطوّر والتقدّم إلىروح صليبيّة (le Messianisme)، الخطر الثاني هو الليبراليّة المتطرّفة (L’ultralibéralismee) المتأتّية من المبالغة في الحريّات الفرديّة، فتتحوّل الحريّة إلى طغيان للنظام الرأسماليّ الذي أصبح يهدّد رفاهيّة الجسد الاجتماعيّ. والخطر الثالث متأتٍّ من التحديد المفهومي للديمقراطيّة على أنّها “حكم الشعب” (demo cratos)، فالشعب هو المحدّد لماهيّة الديمقراطيّة، لكن من تنقصه الفطنة في التمييز بين القرارات هو الذي يمثّل خطراً على الديمقراطيّة، فينخرط الشعب انخراطاً مباشراً في القرار تحت تأثير العاطفة وبعيداً عن العقلانيّة، ولعلّ حادثة إعدام سقراط استجابة لرغبة شعب أثينا وتحت تأثيرات البلاغة السفسطائية خير دليل على ذلك، وهذا الخطر يسميّه تودوروف الشعبويّة (Le populisme).

فكيف تنجب الديمقراطيّة أعداءها الحميميين؟ ذلك هو وجه المفارقة، ولماذا تصبح الحريّة من جهة كونها قيمة من القيم الأساسيّة للديمقراطيّة عدوّاً خطيراً للديمقراطيّة نفسها؟ لماذا يفسد علينا هذا الشغف الديمقراطيّ أموراً كنّا عيّناها مطالب كونية مثل “الحريّة” و”الإرادة” و”التقدّم”؟

إنّ “الشعب”، و”الحريّة”، و”التقدّم” هي العناصر الأساسيّة المكوّنة للديمقراطيّة. لكن إذا أفْلَتَ عنصر من هذه العناصر وانشقّ عن البقيّة ليصبح مبدأ منعزلاً ومتفرّداً، فإنّه يتحوّل إلى خطر يداهم الديمقراطيّة من الدّاخل، فإنّنا نتحدّث حينها عن “الأعداء الحميميين للديمقراطيّة”. يبدو أنّ مخاطر الديمقراطيّة متأتية من فرضيّة عزل أو تمييز أحد مكوّناتها، فما يجمع بين هذه المخاطر الملتصقة بها على اختلافها هو حضور صورة من صور “الإفراط” و”التطرّف” و”المغالاة” (Hubris, démesure). ومعلوم أنّ (hubris) من اليونانية القديمة (ὕβριϚ / húbris) وتعني نمطاً من الشعور العنيف المستوحى من الإحساس بالعظمة والكبرياء، وقد كان يُعتبر نوعاً من “الجريمة” لكونه يتضمّن معنى من معاني تجاوز الحدود التي وضعتها الديانة، ومقابله عند الإغريق هو الاعتدال والوسطيّة. ويذكر تودوروف أنّ هيرودوت (Hérodote)، من جهة كونه أوّل من تحدّث عن (ὕβριϚ) في المجلّد السابع من كتابه البحث (L’Enquête)، يذكرأنّ حالة من حالات “الكبرياء” أدّت إلى نتائج وخيمة. فعندما أراد ملك الفرس (Xerxès) شنّ حرب ضدّ الأثينيين لتوسيع حدود مملكته وفرض سلطانه، استشار أحد مساعديه الذي يدعى (Artabane) فردعه ونصحه بعدم الدخول في الحرب قائلاً: “تستخفّ السماء دائماً بمن يتجاوز القياس، فالسماء الغيورة برعدها وذعرها، يمكن أن تُهلك الجيش الكبير هلاكاً مُخزياً، وهكذا يمكن لجيش كبير أن يستسلم أمام عدد قليل من الرجال أحياناً”. إلاّ أنّ الملك لم يمتثل لذلك فكانت العاقبة وخيمة.

عند الإغريق القدامى تعاقب الآلهة البشر لكبريائهم، فهي لا ترغب في من أراد أن يحتلّ مكانتها. أمّا في الديانة المسيحيّة فتسلّط على الكائن البشريّ قبل ولادته ما يُسمّى بالخطيئة الأصليّة (péché original) التي تحدّ من مأمولاته. وعُوقب إبليس لكونه لم يسجد لربّه وجعله من المغضوب عليهم إلى يوم الدين. لكن كيف يمكن الحدّ من “كبرياء” أولئك الذين لا يعتقدون لا في الآلهة ولا في “الخطيئة الأولى” ولا في “ربّ قدير”؟ ما الذي سيحدّ من تصرّفات ومن طموحات سكّان الدول الديمقراطيّة الحديثة؟ لقد صار الوعي بضرورة عدم تجاوز “القياس” كبرياء ومغالاة، مرتبطاً بقدرة الأنظمة الديمقراطيّة على شدّ تماسك النسيج الاجتماعي، وعدم اختزال الجمع في الفرد، فالفردانيّة هي التي تسمح بظهور “المغالاة” (ὕβριϚ)، التي تفتح المجال أمام انشقاق المكوّنات الأساسيّة للديمقراطيّة عن بعضها بعضاً.

لقد كان أعداء الديمقراطية من الخارج، ممّن يرفضون مبدأ الديمقراطيّة نفسه، ويدعون إلى استبدالها بشيء آخر يزعمون أنّه “أسمى”، ففي الدول التي تحكمها دكتاتوريات فاشية (إيطاليا، كرواتيا، إسبانيا، البرتغال) كان هؤلاء يزعمون أنّ الديمقراطية أصابها الإعياء والوهن، وأنّ هذا النظام لم يعد يستجيب للتطلّعات الشعبيّة. إلاّ أنّه حتى الدول التي لم تكن تعرف هذا المخطّط الفاشيّ (السياسي-الإيديولوجي)، كان هناك نوع آخر من التوليتارية يتمثل في أحزاب مهمّة من اليمين المتطرّف، كما هو الحال في فرنسا وبلجيكا. وبعد الحرب العالمية الثانية نمت دكتاتورية أخرى مختلفة تمثلت في التهديد الذي كان قادماً من أوروبا الشرقيّة، من أنظمة شيوعيّة تجسّدها الكتلة الشيوعيّة. ومنذ سقوط الإمبراطورية السوفياتية، تولّد في أوروبا الشرقيّة فكر يرى فيما حدث انتصاراً هادئاً للديمقراطية، في حين أنّها لم يعد لها أعداء خارجيون معلنون صراحة، بل أعداء حميميون.

العدوّ الحميميّ الأوّل: وهو ما اصطلح على تسميته بـ”مطلب التقدُّم”، الذي يخصّص له تودوروف كامل الفصل الثالث من كتابه أعداء الديمقراطيّة الحميميون. يبدو هذا المطلب ملازماً للمشروع الديمقراطي نفسه، لأنّ الديمقراطية ليست حالة ترتّبت، مبدئيّاً، عن وضعية موجودة سلفاً، فهي لا تخضع لفلسفةٍ محافظةٍ، ولا لفكرٍ إرغاميّ، ولا تسعى للحفاظ على ما هو موجود سابقاً أو لاحترام التقاليد دون قيد أو شرط. كما لا تستند على كتاب قديم مقدّس كنوع من القانون الذي يجب دائماً تطبيقه بكيفيّة خاصة. وبطبيعة الحال، فإنّ هذا العامل من المتطلّبات محمودٌ في ذاته، إلّا أنّ ما تمَّ في مراحل معيّنة من الديمقراطية هو أنّها كانت تنشط من اعتقاد أكثر رسوخاً يتصوّرها حاملة لأفضل المنافع ويعتبرها إذّاك من المشروعيّة أن تُفرض على الآخرين بالقوّة، بما فيها الجيوش. ويستحضر تودوروف ما حدث مثلاً في ليبيا، وقبل ذلك بسنوات في العراق أو في أفغانستان. إذ يبدو أنّ التطلّع للتقدّم -وهو أحد المبادئ المميِّزة للديمقراطية- يصير مصدر دمار للدول التي لا تتقاسم مع الدول المتقدّمة “تقدّمها الديمقراطيّ” ذلك هو وجه المفارقةً. فيتراءى لها الشرّ هُنا خيراً، ويكون الشرّ غواية للخير، كما جاء في عنوان أحد كتب تودوروف السابقة، ذاكرة الشرّ، غواية الخير الصادر سنة 2000 (Mémoire du mal, tentation du bien).

العدوّ الحميميّ الثاني: وهو الليبراليّة المتطرّفة (L’ultralibéralisme)، ويذكر تودوروف أنّ هذا الخطر يأتي، وبشكلٍ مُفارقٍ أيضاً، من أحد أروع مظاهر الديمقراطية ومكاسبها الأساسية، وبالأخصّ الديمقراطية الليبرالية، وهو: الدفاع عن الحرية الفردية؛ وذلك لأنّ الديمقراطية لا تكتفي بالدفاع عن سيادة الشعب، وإنّما تحمي كذلك حرية الفرد، حتى من التدخُّل المفرط من هذا الشعب نفسه. لذلك، فإنّ الديمقراطية الليبرالية مختلفة عما كُنّا نسميه أحياناً، تحت أنظمة ستالينية، بـ”الديمقراطيات الشعبية” التي كانت تُجرّد الفرد من كلّ استقلالية. تُسمّى الديمقراطيّات الحديثة ليبراليّة عندما تضيف لمبدئها الأساسيّ مبدأ ثانويّاً، هو حريّة الأفراد. فيظلّ الشعب صاحب السيادة، لكنّه لا يحترم حدود الفرد الذي يكون سيّداً في مملكته. ذلك أنّه لا يمكن تنظيم الحياة في المجتمع وفق مبدأ وحيد: فسعادة الجماعة لا تتوافق مع سعادة الفرد. نتحدّث حينئذ عن ضربين من الاستقلالية: استقلاليّة الجماعة أو الشعب واستقلاليّة الفرد. فلا ينبغي على الفرد فرض إرادته على الجماعة (communauté)، كما لا يتدخّل الشعب ككلّ في الشؤون الخاصّة بالمواطنين حتىّ تنشغل الديمقراطيّة بفكرة تحسين دائم للنظام الاجتماعيّ، وإن كانت الشوائب (les imperfections) معطى مميّزاً لكلّ واقع اجتماعيّ.

لكن المشكل داخل ديمقراطياتنا الليبرالية يكمن في أنّ الاقتصاد الذي هو ثمرة المقاولة الحرّة لدى الأفراد، قد حلّ بهذا الاعتبار محلَّ السياسة وصارت تحكمه سلطة الربح، وهو ما مثّل أحد الآثار المنحرفة للمبادرة الفردية غير المراقبة، وقاد بشكل حتمي إلى أن يستولي الأكثر غنىً على الأكثر فقراً. وبإيجاز، فقد أصبح هذا النمط من الليبرالية، ترتيباً على ذلك كلّه، شكلاً آخر من السلطة المستبدّة: فقد ألحق طغيان الرأسمالية الضرر بحماية الشعب عبر الدولة. إنّ هذا الجاذب للكسب الفردي بات يُهدّد رفاهية الجسد الاجتماعي بأكمله.

العدوّ الحميميّ الثالث: هو الشعبويّة (Le populisme)، وهي بمثابة قفا الديمقراطية المقلوب، ذلك أنّ الديمقراطيّة في معناها هي “حكم الشعب” وتتعلّق باستشارة الشعب، فمن البدهي أنّ الديمقراطية بدون الشعب ليست ديمقراطية؛ غير أنّ “الشعبوية” تمثّل عَقَبة كَأْدَاء في بحث انخراط الجماهير الشعبية انخراطاً مباشراً وكُلّياً، إذ في الغالب تتّفق على ما يصلح، وفق التحريك الوسائطي الأكثر مبالغةً وسهولة، وتهدف إلى أن يتخذ جزءٌ من هذه الجماهير نفسها القرار تحت تأثير العاطفة وخارج كلّ عقلانية. وهكذا فمن تنقصه فطنة التمييز بين القرارات الهامّة قد ينشئ خطراً حقيقيّاً. للعمل الجيد لكلّ ديمقراطية تليق باسمها، من خلال الفصل العادل والمناسب بين السلط (التشريعية، التنفيذية، القضائية. لقد صار المثال الديمقراطي مثالاً خائناً وفاسداً، وإن كان ذلك عن حسن نيّة. إنّ ديمقراطيّة اليوم مريضة، وعلّة مرضها هو دلالها لأبنائها الثلاثة: الحريّة، والتقدّم، وسلطة الشعب: هي مريضة بعناصر القوّة التي قامت عليها. إنّها مفارقة عجيبة: كيف يكون العدوّ هو الحميم أي الصّديق المرافق لنا دوماً؟ كيف يكون هذا الحميم حمّى لا تزول، يرافقنا كظلّنا، فلا نستطيع التخلّص منه ففي اندثاره تقتل الديمقراطية نفسها بنفسها؟ نتذكّر ها هنا قولاً فريداً لأرسطو في الصّداقة والصّديق: “آه يا أصدقائي، ليس ثمّة أصدقاء”، (أخلاق نيخوماخوس). كيف تتحرّر الدّيمقراطيّة ممّا هو حميمي فيها دون أن تسيء إلى نفسها؟

ضرورة المرور إلى المفهوم المعتدل للديمقراطيّة: ينبغي تعديل الديمقراطيّة وردّها إلى فهم معتدل:

– تقوم الديمقراطيّة على سلطة الشعب، الذي ينبغي أن يكون سيّد نفسه فلا ينساق وراء تأثيرات كل أشكال الوصايا الدينية والعرقية أو الايديولوجيّة.

– فإذا كانت الديمقراطيّة في جوهرها استجابة لإرادة الشعب، فلا ينبغي توجيه هذه الإرادة توجيهاً سيئاً رضوخاً لانفعالات فرديّة أو تحقيقاً لمصالح ذاتيّة.

ــ يقوم مفهوم الديمقراطيّة في جوهره على مبدأ التعدّديّة والقبول بالاختلاف والمساواة بين كلّ المواطنين.

ـ إنّ العدوّ الأساسي للديمقراطيّة هو المغالاة والإيديولوجيات المتطرّفة.

– لا ينبغي أن يتحوّل التقدّم إلى إيديولوجيا استعماريّة.

– ترفض الديمقراطيّة المواقف المستسلمة للقدر وتفرض على إرادة ذلك الشّعب الخنوع والاستسلام.

– إنّ الديمقراطيّة تحتّم علينا أن نستمدّ التشريعات وفق مبادئ العقل والعدالة. فكلّ قوانين عادلة بوسعها أن تجعل شعباً ما شعباً سعيداً.

– كما يرفض تودوروف وصف الآخر بالمتوحّش أو البربريّ فهذا الأمر هو اعتداء على فكر الأنوار.

– يدين تودوروف تطرّف الإسلاميين ويشبّههم بالجماعات المسلّحة التي ظهرت في يوم ما مثل “جماعة الجيش الأحمر” في ألمانيا، أو”الألوية الحمراء” في إيطاليا، لكن الأمر بالنسبة إليه بأعمال إرهابيّة منتظمة. لذلك لا مجال للمقارنة بين التطرّف الإسلامي والدكتاتوريات الأخرى كالفاشيّة مثلاً. كما يرفض تودوروف عداء الغرب الشديد تجاه الديانة الإسلاميّة.

خلاصة:

ظلّت تستحوذ على اهتمام تزفيتان تودوروف، وحتّى آخر يوم من حياته، فكرة أنّ على البلدان الغربيّة المركزيّة، ألّا تجعل ثقافة الخوف تستبدّ بها، وتسوقها بالتالي إلى الشطط في ردّ الفعل، الذي يمكن أن يُدخلها بدَورها في البربرية الوحشية، التي تفترضها في الآخرين الذين تُحارِبهم بقسوة وتَذاكٍ مكشوف.

ونتساءل هل أفكار تودروف في تشخيصه للديمقراطية البيرالية الغربية ونقده لها، يجعلنا نكفر بها ونعتبر الديمقراطية مزيفة ووهم لا يمكن الاستناد على مبادئها في التأسيس لمجتمع الحرية والمساواة والعدل؟ ما طبيعة الديمقراطيات التي يعرفها العالم العربي والإسلامي في ظل حكم شمولي يأتي على ألخضر واليابس وتنجم عنه الحروب وما تخلفه من أعطاب لا حصر لها، هل تجربة الإسلاميين البسيطة والتي أجهضت في ميلادها تدفعها للاصطدام مع الدولة العميقة وتدخل المنطقة العربية في مزيد من التفكك والتجزيء والتمكين للصهيونية وأدنابها، وتمنع الشعوب من تحرر يمكنها من العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.  ما معاناتنا نحن الذين تربينا في الحضن الإسلامي مع المفاهيم التواصلية والانفتاح على الآخر وضمان حقه في الوجود وممارسات  طقوسه والدفاع عن حقوقه؟ ، ألم يحن الوقت لإعادة قراءة نصوص السيرة النبوية والقرآن والحديث والوقو ف على الغيرية انطلاقا من خصوصيتنا وحضارتنا، في مجتمع السلم والتعايش؟ من هم أعداؤنا الحقيقيون؟  ما وضع المسلمين بديار المهجر وكيف يمكنهم أن يتبنوا المواطنة في بلدان الإقامة الجديدة؟ كلها تساؤلات قد تثمر يوما وترسخ قيم الاختلاف والتعايش والمحبة الإنسانية، وتنهي بعضا من حروب الدمار والحقد والاقتتال المفضي لنهايات غير متوقعة.

 

 

[1]– Todorov, Benjamin Constant: La passion démocratique, Paris, Edition Hachette Littérature, 1997.

[2]– Todorov, Benjamin Constant: A passion of Democracy, United States of America, Alogora Publishing, 1999.

[3]– Todorov, Benjamin Constant: La passion démocratique, Le résumé de cet Essai: «La Révolution française a sonné le glas, non seulement d’une forme de société mais aussi d’une manière de sentir et de vivre ; et il n’est pas sûr que nous ayons gagné au change. Benjamin Constant a été l’un des premiers à dresser ce sombre diagnostic: «Nous ne savons plus aimer, ni croire, ni vouloir. Il en résulte que le Ciel n’offre plus d’espoir, la terre plus de dignité, le cœur plus de refuge.» Mais suffit-il de s’en lamenter ? Constant ne le pense pas et, devenu le premier penseur français de la démocratie, il entreprend de chercher des remèdes au mal: une politique qui garantisse la dignité de l’individu sans dissoudre le lien social ; une religion dépouillée de ses formes oppressantes ; un amour retrouvant la place qui lui est due, plus haut que «tous les trônes de la terre».»

[4]– Tzveztan Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p.13: «on voit une aspiration à la démocratie se manifester presque partout où elle était absente auparavant».

[5]– تزفيتان تودوروف، ناقد ومؤرخ وفيلسوف، بلغاري الأصل وفرنسي الجنسيّة، ولد بصوفيا في 1 مارس 1939.

[6]– Tzveztan Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, Paris, Robert Laffont, Versilio, 2012.

[7] -Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p.14.

[8]– Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p.13.

[9]– Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p.18.

[10]– Site, http://www.home-educ.org/pdf/les_mythes_de_la_connaissance.pdf, «L’hybris (du grec ancien ὕβριϚ / húbris) est une notion grecque que l’on peut traduire par «démesure». C’est un sentiment violent inspiré par les passions et plus particulièrement, par l’orgueil. Les Grecs lui opposaient la tempérance, ou modération. Dans la Grèce antique, l’hybris était considérée comme un crime. La religion grecque antique ignore la notion de péché tel que le conçoit le christianisme. Il n’en reste pas moins que l’hybris constitue la faute fondamentale dans cette civilisation. L’homme qui commet l’hybris est coupable de vouloir plus que la part qui lui est attribuée par le destin. Le châtiment de l’hybris est la némésis («destruction»), le châtiment des dieux qui a pour effet de faire se rétracter l’individu à l’intérieur des limites qu’il a franchies. Si l’hybris est donc le mouvement fautif de dépassement de la limite, la némésis désigne le mouvement inverse de la rétractation vengeresse. La morale des Grecs est une morale de la mesure, de la modération et de la sobriété, obéissant à l’adage ‘pan métrôn ariston’, qui signifie littéralement «de la mesure en toute chose», ou mieux encore «jamais trop» ou «toujours assez». L’homme doit rester Dans la mythologie grecque, Icare est le fils conscient de sa place dans l’univers. Fils de l’architecte Dédale et d’une esclave crétoise. Il est connu principalement pour être mort après avoir volé trop près du soleil. Le mythe d’Icare aborde le désir de l’Homme d’aller toujours plus loin, au risque de devoir se retrouver face à face avec sa condition de simple être humain ».

[11]– Hérodote/Thucydide, Œuvres Complètes, La Pléiade, L’Enquête, VII, 10, Paris, Gallimard, p.467, Cité par, Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p.18: «Le roi des perses Xerxès avait envie de partir en guerre contre les athéniens pour étendre encore les frontières de son royaume et de son pouvoir; avant de prendre sa décision finale, il a demandé leur opinion à ses conseillers. L’un d’entre eux, Artabane, a tenté dissuader d’entrer en guerres: “Le ciel rabaisse toujours ce qui dépasse la mesure. C’est ainsi qu’une grande armée succombe devant peu d’hommes parfois, quand le ciel, jaloux par la panique ou par son tonnerre la fait indignement périr; car il ne permet l’orgueil à personne d’autre que lui”. Le roi n’a pas écouté cet avis sage ; les conséquences pour lui et pour son pays ont effectivement été désastreuses. »

[12]– Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p.19.

[13]– Todorov, Mémoire du mal, tentation du bien, Paris, Robert Laffont, 2000.

[14]– Todorov, Les ennemis intimes de la démocratie, p p.16-17.

[15]– Todorov, «La démocratie sécrètent elle– même ses ennemis?», Entretien de Salvator Schiffer avec Todorov, Le Nouvel Observateur, Le 04-04-2012.

 

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: