صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

هل يوجد أساس عقلاني وأخلاقي لذبح الحيوان في الإسلام؟

بقلم: عبدالإلاه بوديب

تثير عدد من الشخصيات في مواقع التواصل الاجتماعي بمناسبة عيد الأضحى، عددا من الاعتراضات على شعيرة “ذبح الأضاحي” ويعتبرونها سلوكا لا أخلاقيا، ينم عن وحشية دفينة في الإنسان، يجب على الإنسان التخلص منها، ويتمادى بعضهم للقول بأن الشرائع الإلهية باطلة بسبب أنها تسمح وتدعو لهذا الفعل الوحشي.

هذا التوجه الذي أصبح ينتشر شيئا فشيئا بين الأجيال الجديدة في العالم الإسلامي، ويعرف مؤيدوه بالنباتيين /Vegetarianism وإن كنت أفضل تسميته ب “كارهي أكل اللحوم”، يجد جذوره في الغرب، مع انتشار نمط الإيديولوجية الخضرية / Veganism، التي ترفض قتل الحيوان بغرض الانتفاع البشري، بالإضافة إلى توسيع بعض مقدمات الإيديولوجية الإنسانوية / Humanism، شديدة الانتشار في العالم. (انظر: حقوق الحيوان مقدمة قصيرة جدا، ديفيد ديجارتسيا)

لكن جذور هذا التوجه على الرغم من صيغته الحداثية إلا أنه اتجاه ديني وفلسفي قديم، يعود حسب ما تذكره الكتب الملل والنحل إلى المذهب المجوسي المعروف بالثنوية الذين يؤمنون بوجود إلهين في العالم إله الشر وإله الخير.

الحكمة من إيلام الحيوان

يقول فخر الدين الرازي:
“قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام، والإيلام قبيح، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم، فيمتنع أن يكون الذبح حلالا مباحا بحكم الله.” (مفاتيح الغيب).

وقد نوقشت هذه الإشكالية في السياق الفلسفي – اللاهوتي ضمن إشكالية أكبر هي ” وجود الشر في العالم”، وضمن إشكالية أكثر تحديدا هي ” الحكمة من السماح بإيلام الحيوان”.

وقد أبدع المسلمون القدامى عددا من الأجوبة على هذه الإشكالية، انطلاقا من أصول كل مذهب فلسفي أو كلامي.

فحسب المذهب الأشعري: فإن الله سبحانه تعالى هو مالك هذا الكون، ومادام يتصرف في ملكه فلا يحق لأحد أن يعترض على أي تصرف من تصرفاته ما دام يتصرف في ملكه الخاص. لذا فالاعتراض على إيلام الحيوان ينشأ من اعتقاد زائف هو أن الحيوان هو المالك الحقيقي لذاته، في حين أن المالك الحقيقي لكل المخلوقات هو الله.

وهذا الحجة الأشعرية هي نفس الحجة الليبرالية التي تقول: هذا الجسد ملكي، فمن حقي أن أفعل به أي شيء، ما دمت لا أتدخل في ملك أحد.

أما حسب المذهب المعتزلي: فإن تأليم الحيوان لا يكون دوما شرا، كما في حالة الألم الذي يصاحب إجراء عملية طبية لحيوان ما بغرض مداواته، أو في حالة أخرى وهي حين يكون هناك تعويض معتبر عن ذلك الألم الذي لحقه، كالألم الذي يلحق حيوانا ما جراء حقنه بحقنة سترفع من كفاءته وجودة حياته.

ولذا رأى المعتزلة أن الحيوانات التي تتعرض للآلام في الدنيا، سيعوضها الله في الآخرة عن ما أصابها من الألم، وهكذا يكون تأليمها في الدنيا أمرا معقولا.

بينما رفض مذهب آخر، اعتبار الحيوانات تتألم أصلا، لأنها لا تملك روحا واعية كالإنسان.

هذه الاتجاهات على الرغم من الملاحظات التي يمكن إبداؤها حول حججها، إلا أن تبدو أكثر تماسكا من مذهب “كارهي أكل اللحوم”، الذين يلجؤون إلا الحجج العاطفية للتشنيع على شعيرة ذبح الأضاحي.

تقويض الأساس الأخلاقي للنباتيين

فالنباتيون إن كانوا مشفقين حقا على الحيوانات من منطلق أخلاقي فلن تكون مشكلتهم فقط مع الدين أو شرائعه بل مع الطبيعة ونظامها. لأن ذبح الحيوان لا يمكن أن يقاس بوجه من الأوجه بالافتراس الذي كان ولا يزال يقع في الطبيعة، وأي محاولة لوقف هذا السلوك الطبيعي، سيعني القضاء على مملكة الحيوان والإنسان معا!

أما لعن “الذبح الإسلامي” أو “أكل اللحوم من طرف البشر”، والتسامح مع أكل اللحوم من طرف باقي الحيوانات فلا يدل سوى على تناقض أخلاقي فج.

لا يقف تناقض النباتيين في هذا المستوى، بل أيضا يظهر تناقضهم مع الطبيعة التي ترى تفوق الجنس البشري على باقي الكائنات الأرضية، وعلى الرغم من تركيز النباتيين على بعض الحالات الشاذة، التي قد يكون فيها الحيوان أعلى إدراكا من الإنسان ويرون فيه مبررا لخلق نمط عيش كامل.

فإنهم في المقابل يرفضون الاعتماد على الحالات الشائعة التي تشهد بتفوق الإنسان على باقي الحيوانات وبالتالي امتناع المساواة بينهما في الحقوق!

أخلاقيات ذبح الحيوان في الإسلام

وعلى الرغم من ذلك فإن الإسلام حرص تمام الحرص، على توجيه المسلمين إلى عدد من الأخلاقيات عند ذبح الحيوان، ليبقى ذبحه محصورا فقط في حالة تحقيق منفعة معقولة للإنسان، ولذا أكد الإسلام على تحريم القتل العبثي للحيوان بغرض اللعب واللهو فقط، وحث على الذبح السريع والفعال، الذي لا يتسبب بمعاناة أطول للحيوان قبل موته.

وفي الحديث الشريف (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم؛ فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم (1955).

وقد علق ابن رجب الحنبلي على الحديث قائلا من الإحسان في ذبح الحيوان:
“إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها وأَوحاها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه”. (جوامع الحكم)

وهكذا فإن فلسفة الإسلام في جواز ذبح الحيوان، قائمة على الذبح بغرض الانتفاع الطبيعيّ، لذا حتى القربان في الشريعة الإسلامية كما في عيد الأضحى، لا يترك الحيوان بعد ذبحه كما في عدد من الأديان بحجة أنه قربان لله! بل يحث الإسلام على تحقيق أكبر نفع ممكن منه بأكله وادخاره والتصدق منه على الفقراء والمساكين.

ولذا فأي تأليم للحيوان يجب أن يكون ضروريا لتحقيق هذا النفع دون أي تأليم مجاني لا حاجة له.
وفي هذا الإطار يمكن اللجوء بعد استشارة المختصين في الطب البيطري إلى تخدير الأضاحي قبل ذبحها، لتحقيق أكبر لمقاصد الشريعة من ذبح الحيوان، وتمثل أعمق للحديث الشريف “وليرح ذبيحته”.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: