صوت الجامعة المغربية

أرضية المنتدى الفكري 11- دورة علي عزت بيجوفيتش

 

المنتدى الفكري الحادي عشر
دورة: الفيلسوف الراحل علي عزت بيجوفيتش

تحت شعار: “تجديد الفكر الإسلامي بين عالمية الخطاب وخصوصية المرجعية”

حققت مبادرة المنتدى الفكري تراكما نوعيا في دوراتها العشر الماضية، من خلال طرحها لأسئلة معرفية ومنهجية مواكبة لتحديات الوطن وموصولة بتطلعات الأمة، وذلك من منطلق إيمانها بأحقية الفضاء الجامعي في ريادة المطارحة الفكرية والتداول العلمي لإشكالات النهوض الحضاري، والإسهام في خروج الأمة الإسلامية من ضيق الانحطاط والاستلاب الذي تعاني منه إلى رحابة الشهود الحضاري.

ولطالما تجلت أبعاد المنتدى الفكري في الفهم والاستيعاب والتجاوز؛ بما يعني أنه أخذ مداه الزمني في تطوير المقاربات وتدقيق الاختيارات الفكرية والمنهجية، ولذلك كانت الدورة الأولى حاملة لهموم النهضة وقضاياها المنهجية، من خلال التفكير المنهجي والفكري عند مالك بن نبي، وحملت لنا الدورة الثانية، أسئلة أفق استعادة الناصية المنهجية للعقل الإسلامي، فكانت “المنهجية المقاصدية” عند علال الفاسي، لتكتمل حلقة البحث والإسهام في عملية الإصلاح المنهجي في الفكر الإسلامي بتطبيقاته واقعية وبمرجعية تأصيلية، مع دورة المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وقد شكلت هذه الدورة انطلاقة للتفكير المعرفي في القضايا المحورية للأمة، لتتبلور عبرها ومن خلالها فكرة القضية الفلسطينية بروح معرفية في الدورة الرابعة. وبنفس استعادة المضمون التجديدي في التراث الإسلامي، والوقوف عند لحظات الإبداع والعطاء فيه، جاءت الدورة الخامسة لمدارسة الفكر الخلدوني، وسعياً لتلمس المداخل المنهجية والمعرفية للجواب الإسلامي للحداثة كان سؤال “التأصيل لنموذج معرفي بديل” عند الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان في الدورة السادسة، وسؤال “قضية الدين والدولة في السياق الإسلامي المعاصر” في الدورة السابعة، إلى “مسألة الخصوصية والكونية في فلسفة العلوم” من خلال مدارسة فكر اسماعيل راجي الفاروقي، مرورا بمعالجة إسهامات المهدي المنجرة في الدراسات المستقبلية “من أجل امتلاك رؤية مستقبلية بأفق حضاري أصيل” في الدورة التاسعة، وصولا إلى مُسائلة “منهج الإصلاح عند الحركة الإسلامية” في دورة الراحل عبد الله بها.

وتتدارس الدورة الحالية -الحادية عشرة- فكر الفيلسوف الراحل علي عزت بيجوفيتش في استحضار واع لمسار حافل بالاجتهاد الفكري والجهاد السياسي المطبوع بمعاني التضحية والكفاح من أجل حرية الإنسان وكرامته وسلامه، مسار انطلق سنة 1925 بميلاد المجتهد المجاهد بمدينة بوسانا كروبا لأسرة بوسنية مسلمة انتقلت للعيش سنة 1928 في العاصمة سراييفو التي التحق بمدارسها ثم بجامعاتها التي تخرج منها في العلوم والآداب والقانون، ليعمل لمدة 25 سنة مستشارا قانونيا، ثم يتفرغ بعد ذلك للبحث والكتابة، إلى أن تم اعتقاله والحكم عليه بثلاث سنوات سجنا بسبب نشاطه في »جمعية الشبان المسلمينثم إعادة اعتقاله مرة ثانية سنة 1983 بدعوى نشر الأصولية الإسلامية والدعوة لإقامة الدولة الإسلامية من خلال الكتاب الذي نشره أواخر السبعينات تحت عنوان “البيان الإسلامي”. وقد أطلق سراح بيجوفيتش سنة 1989 بعد  ألفي يوم وليلة قضاها بالسجن دون خلالها تأملات عميقة تدور حول ثلاثية: الإله، الكون والإنسان، وقضايا أخرى جمعها فيما بعد في كتابه “هروبي إلى الحرية”، الذي أعقبه إصدار أهم كتبه “الإسلام بين الشرق والغرب”.

أولا: أسس فكر علي عزت بيجوفيتش

 

  • ثلاث رؤى للعالم

 

تخضع جميع النظريات العلمية والفلسفية في تحديد مواقفها من الظواهر الإنسانية والاجتماعية إلى تأطير مرجعي من خلال إحدى الرؤى الثلاث للعالم: الرؤية الدينية المجردة، والرؤية المادية، والرؤية الإسلامية. تعد هذه الفكرة ركيزة تتأسس عليها فلسفة علي عزت بيجوفيتش، إذ ينطلق منها في نقده لأحادية الغرب سواء أكانت أحادية دينية مجردة أو مادية في مقابل إبرازه لوسطية الإسلام، فهو يرى أن هذه الوجهات الثلاث من النظر تعكس ثلاث إمكانات مبدئية هي: (الضمير، الطبيعة، الإنسان) تتمثل كل منها على التوالي في المسيحية والمادية والإسلام.

ترى وجهة النظر الأولى -الرؤية الدينية- الدين على أنه مجرد علاقة شخصية بين الفرد والإله لا تتدخل فيها عناصر اجتماعية، وهي تركز على الجانب الروحي في الإنسان وتنكر احتياجاته المادية أو هكذا تدعي، بل إن هذه الرؤية تعتبر أن تعذيب الجسد وسيلة لتطهير الروح، فهي تقف -مثلا- من قضية العلاقة بين الجنسين موقف الشجب، رغم أنها تعتبر تحت ضغط الواقع الاجتماعي مؤسسة الزواج شرا لا بد منه!

وفي مقابل الرؤية الدينية تقع الرؤية المادية التي ترى العالم محض مادة وتحصر الإنسان في بعده المادي الشهواني منكرةً أشواقه وتطلعاته الروحية، ومعتبرة إياه حيوانا كاملا، وأن الفرق بينه وبين الحيوان إنما هو فرق في الدرجة وليس في النوع، فليس هناك حسبها جوهر إنساني متميز.

وتأتي وسطا بين الرؤيتين وجهة نظر أخرى لا تنكر أي بُعد (الروحي/المادي) في ظاهرة الإنسان، وهي الرؤية الإسلامية التي تعترف بالثنائية الإنسانية دون عقدة نقص. ففي الوقت الذي يحرم الإسلام -مثلا- العلاقات الغير الشرعية بين الجنسين، فإنه يُنظم هذه الممارسة (الشهوة) وفق ضوابط محددة في مؤسسة الزواج. وإذا كان الإسلام أيضا يؤكد على الصيام والتبتل والزهد كعبادات يتقرب بها الإنسان من ربه، فإنه يشجع في المقابل التمتع بطيبات الحياة ويعتبرها أعمالا للتقرب من الله هي الأخرى، إن الإسلام بهذا المعنى هو وحدة بين الروح والجسد. هذه الوحدة -حسب بيجوفيتش- هي أيضا سبب سوء فهم العقل الغربي للإسلام لا يزال مستمرا إلى اليوم، فمن جانب الدين (الروحي المجرد) اتهم الإسلام بأنه أكثر لصوقا بالطبيعة والواقع أكثر مما يجب، وأنه متكيف مع الحياة الدنيا. واتهم من جانب العلم أنه ينطوي على عناصر دينية غيبية. وفي الحقيقة هناك إسلام واحد وحسب، ولكن شأنه شأن الإنسان له روح وجسد. فزعم التعارض فيه يتوقف على اختلاف وجهات النظر، فالماديون لا يرون في الإسلام إلا أنه دين وغيب أي اتجاها » يمينيابينما يراه المسيحيون فقط حركة اجتماعية سياسية، أي اتجاها » يسارياوفي واقع الأمر، ليس الإسلام هذا ولا ذاك، وإنما هو يجمع بينهما في كل واحد متكامل متوازن.

 

  • قضية أصل الإنسان

 

انطلاقا من الرؤية الثالثة يستنبط علي عزت تصوره لقضية أصل الإنسان التي تشكل الأُس الثاني الذي يقوم عليه فكره، فقضية أصل الإنسان عنده هي حجر الزاوية لكل أفكار العالم. فأي مناقشة تدور حول كيف ينبغي أن يحيا الإنسان، تأخذنا إلى الوراء إلى حيث مسألة » أصل الإنسانوفي ذلك تتناقض الإجابات التي يقدمها كل من الدين والعلم، كما هو الشأن في كثير من القضايا، حيث ينظر العلم إلى أصل الإنسان كنتيجة لعملية طويلة من التطور ابتداء من أدنى أشكال الحياة، فيما يتحدث الدين عن خلق الإنسان، والخلق ليس عملية وإنما فعل إلاهي. وهكذا، تتناقض إجابتي العلم والدين عن قضية أصل الإنسان.

لكن علي عزت يحدد النظرة الصائبة لظاهرة الإنسان بقوله » يمكن أن توجد حقيقتان متعارضتان عن الإنسان دون سائر الكائنات، وامتزاجهما معا هو الذي يمكن أن يعطينا الصورة الكاملة والحقيقية عن الإنسانوبهذا فتحقق إنسانية الإنسان لا تستقيم إلا بالاعتراف بالبعدين الذين يتكون منهما، فالحياة الإنسانية تكتمل فقط عندما تشتمل على كل من الرغبات الحسية والأشواق الروحية للكائن البشري. وترجع كل الإخفاقات الإنسانية لإنكار الدين الاحتياجات البيولوجية للإنسان أو لإنكار المذهب المادي لتطلعات الإنسان الروحية.  

ثانيا: قضايا في فكر علي عزت بيجوفيتش

ينطلق علي عزت في تحليله لمختلف الأفكار والظواهر الإنسانية من خلفيته المرجعية المتمثلة في الرؤية الإسلامية التي تؤمن بتركيبية ظاهرة الإنسان. ومن بين أهم الأفكار التي يناقشها قضيتي الثقافة والحضارة التي يعتبر أن هناك خلطا غريبا بينهما، فالثقافة تبدأ »بالتمهيد السماوي «بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق وفلسفة، فهي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه. أما الحضارة، فهي استمرار للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة. هذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم.  إن الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة. وهذا التناقض بين الثقافة والحضارة هو تضاد: الإنسان والشئ، الإنسانية والشيئية.

ومن جانب آخر يناقش بيجوفيتش ظاهرة الفن وعلافتها بالدين والعلم مبرزا قيمتها الإنسانية، إذ هو دائما ذكريات وتوق إلى الماضي، إلى ذلك العالم الآخر، ففي القصيدة وفي اللحن واللوحة الفنية نواجه سرا أو كيفا بالمعنى الميتافيزيقي للكلمة، فكيف يمكن تفسير الاختلاف بين اللوحة الأصلية وبين نسخة منها بواسطة الكم؟ اللوحة الأصلية تملك كيف الجمال وكل نسخة قبيحة.

وينتقل علي عزت لمقاربة قضايا أخرى من زاويته، مثل قضية الأخلاق التي يعتبرها ظاهرة واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرا عقليا، ولعل في هذا الحجة الأولى والعملية للدين. فالسلوك الأخلاقي، إما أنه لا معنى له، وإما أن له معنى في وجود الله، وليس هناك اختيار ثالث، فلا يمكن للإنسان أن يكون محايدا بالنسبة للأخلاق، ولذلك فهو، إما أن يكون صادقا في أخلاقه أو كاذبا، أو مازجا بين الصدق والكذب، وهي حالة أكثر شيوعا بين البشر. فالناس قد يتصرفون بشكل مختلف بعضهم عن بعض، ولكنهم يتحدثون بطريقة واحدة عن العدل والحق والصدق والحرية والمساواة.

وتصب مناقشة بيجوفيتش لهذه القضايا وغيرها مما لا يمكن حصره في هذا الحيز ضمن انشغاله بمسألة تقويض النظريات الأحادية، الدينية المجردة والمادية على السواء، وبيان عجزها في تفسير ظاهرة الإنسان، واستحالة هذا الأخير على العيش مرتكزا على جانب دون آخر.  

ثالثا: علي عزت بيجوفيتش وتقويض النظريات الأحادية

يتميز علي عزت في تقويضه للنظريات الأحادية التي تحصر الإنسان في أحد أبعاده المادية أو الدينية المجردة بخاصيتين أساسيتين. تتحدد الأولى في كونه لا يستند في دحض النظريات العلمية التي يعتبرها خاطئة على نظريات علمية تفندها، الأمر نفسه بالنسبة لعدم إستدعائه المفرط للمقولات الدينية الكامنة في مرجعيته الإسلامية، وذلك اتساقا مع فلسفته في تقديم الإسلام كمجموعة تعاليم وليس كمعلم (خصوصا في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب). إن المنهج الذي يعتمده بيجوفيتش من أجل تفنيد النظريات المادية مختلف ومميز، ففي محاولته إثبات عدم صحة نظرية داروين حول أصل الإنسان التي لا يوجد فيها تمييز واضح بينه وبين الحيوان، استعان بيجوفيتش بشخص/فنان من نفس النسق الحضاري والثقافي الذي ينتمي له داروين هو مايكل أنجلو ولوحاته الجصية في كنيسة سيكستين التي تمثل تاريخ الإنسان منذ هبوطه إلى الأرض يوم القيامة، من أجل تقويض أو على الأقل بيان عجز النظرية الداروينية في تفسير ظاهرة الإنسان.

أما الخاصية الثانية التي يتميز بها علي عزت في نقده للنظريات المادية فتكمن في مقابلته إياها بظواهر إنسانية متحيزة للإنسان ببعديه الروحي والطبيعي أكثر من تحيزها للجانب الحيواني/الشهواني فيه، فنجده على سبيل المثال يُقابل بين المصلحة التي تطبعها الوظيفية والعقلانية بالواجب الذي يتجاوزها (المصحلة)، فمثلا، إذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلا يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول أن عمله كان بلا فائدة لأنه لم يكن ناجحا؟ إنها الأخلاق/الواجب التي تمنح قيم لهذه التضحية عديمة الفائدة، لهذه المحاولة التي لم تنجح.

ومن جهة أخرى، ينتقد بيجوفيتش النظريات الدينية المجردة التي تضخم الجانب الروحي في ظاهرة الإنسان على حساب احتياجاته المادية، إذ أن الدين الخامل/المجرد -حسبه- يجر الإنسان نحو السلبية والتخلف. فلم تنشطر وحدة الإسلام الثنائية القطب إلا بسبب أناس قصروا الإسلام على جانبه الديني المجرد فأهدروا وحدته واختزلوه إلى دين مجرد أو صوفية، فتدهورت أحوال المسلمين.

رابعا: التسليم لله..

تعد فكرة “التسليم لله” بمثابة البعد الكلي النهائي في فكر علي عزت بيجوفيتش، فهو يعتبر أن التسليم لله هو الطريقة الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروف الحياة المأساوية التي لا حل لها ولا معنى.. إنه طريق للخروج بدون تمرد ولا قنوط ولا عدمية ولا انتحار. إنه شعور بطولي (لا شعور بطل)، بل شعور إنسان قام بأداء واجبه وتقبل قدره.

إن الإسلام -حسب بيجوفيتش- لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا محرماته ولا من جهود النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها، وإنما من شئ يشمل هذا كله ويسمو عليه: من لحظة فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني.. من قوة النفس في مواجهة محن الزمان.. من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود.. من حقيقة التسليم لله.. إنه استسلام لله.. والاسم إسلام!

***

ولإبراز هذه الجوانب المضيئة وغيرها في المشروع الفكري لعلي عزت بيجوفيتش تنظم منظمة التجديد الطلابي عبر فضائها البحثي منتدى الباحثين الشباب المنتدى الفكري الحادي عشر، دورة الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش، تحت شعار “تجديد الفكر الإسلامي بين عالمية الخطاب وخصوصية المرجعية”، يومي 27 و28 نونبر 2018، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية – المغرب.

وقد جاءت محاور المنتدى على الشكل التالي:

  • علي عزت بيجوفيتش في دروب الفكر والسياسة.
  • الحوار الديني والفلسفي في فكر علي عزت بيجوفيتش.
  • دور الفكر الفلسفي في استئناف الحضارة الإسلامية.
  • جدلية الثقافة والحضارة في فلسفة بيجوفيتش.
  • معالم الفكر السياسي لعلي عزت بيجوفيتش.

 

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: