صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

أدوار الحركة الطلابية في شرطنا الراهن: التناقض مع من؟ (2)

بقلم: محمد زاوي

السياسة بدون وعي، أو بوعي زائف، ممارسة عمياء. “لا ممارسة عملية سديدة بدون نظرية سديدة، ولا نظرية سديدة بدون ممارسة عملية سديدة” (عبد الله إبراهيم)؛ “إما أن تكون لك استراتيجية وإما أن تعمل في استراتيجية الآخر” (فريدريك هيجل). إنتاج “الطوبى” وصياغة “المثال” قبل الوعي السديد بالشرط التاريخي، وقبل “التحليل الملموس للواقع الملموس”، يجعل الممارسة عرضة للرهان والاحتمالات اللاواعية، ويحفظ “الطوبى والمثال” في حدود نجاعة تحدَّد خارج الحركة الاجتماعية، حزبا سياسيا كانت هذه الحركة أو نقابة.

أهم خطوة في الوعي السياسي-الاجتماعي، بل أرقاها، هي تحديد التناقض الرئيس في واقع ما، وقبل ذلك مختلف القواعد التي تحكم هذا التناقض، من ترابط وتغير وتحول وتمييز بين الرئيس والثانوي وتحديد للأطراف (الرئيسي منها والثانوي)… بإعمال هذا المنهج في التحليل، يستطيع الفاعل السياسي أو النقابي معرفة الواقع الذي يتحرك فيه والإحاطة بكل تفاصيله.

السؤال هو: هل استطاعت الحركة الطلابية المغربية تحديد التناقض الرئيس في واقعها الخاص، المغرب، ثم الجامعة المغربية؟

بالاطلاع على أدبيات مختلف الفصائل الطلابية، نجد أنها بقيت محكومة بنماذج محصورة في تحديد تناقضاتها:

– إسقاط تحليلات علمية مرتبطة بالشرط الغربي على الشرط المغربي؛ فأنتج هذا الإسقاط حجابا بين الفاعل الطلابي وبين خصوصيته التاريخية، كذا حائلا بينه وبين تقدير موقعه حق قدره. وحيث لم يكن المغرب هو أوروبا القرون 19 م، ولا كان فاعلُه الطلابي بروليتاريَّ مجتمع صناعي اكتملت بورجوازيته؛ فقد كان المكوّن الطلابي اليساري يقيس واقعا قريبا على واقع بعيد، ويحاول اصطناع تناقضات يجعلها رئيسية، من قبيل: بورجوازية/ بروليتاريا، فكر تقدمي/ فكر تقليدي رجعي، ثوري/ إصلاحي، ماركسي/ تحريفي… وكلها تناقضات تستمد أصولها من شرط غربي، وسجال فكري وسياسي غربي تفاصيله معروفة!

– إعمال مناهج ناجعة في معطيات مفتقرة لا تسعف في تحديد طبيعة التناقض الرئيس؛ وهو ما أفقد بعض النتائج جدلها النظري (الواقعي أساسا). وذلك من قبيل تبعية الرأسمال دون اعتبار لمغربيته، تبعية المناهج الجامعية دون اعتبار لنجاعتها الوضعانية والواقعية في شروط خاصة، إثبات سيطرة اجتماعية دون اعتبار لتحدي التراب الوطني، طرح مسألة التنمية في غفلة عن مسألة الاستقلال، نقد الدين دون مراعاة لأبعاده التاريخية والسوسيولوجية بل الوجودية قبل ذلك، الاغترار بموقع منحسر وربما هامشي (تشغيبي فقط، قد يُستغَل اجنبيا) في واقع أكثر تعقيدا وأعمق تاريخا…

– غلبة الإيديولوجيا على التحليل الملموس والتفسير التاريخي الموضوعي؛ لتصبح الجامعة فضاء ل”الدعوة” عند الفاعل الطلابي الإسلامي، ومجالا لممارسة “التنوير” عند الفاعل الطلابي اليساري. فنتج عن ذلك تناقض محتدم لم يكن الواقع الملموس باعثا له، بل “الوعاء” الإيديولوجي الخاص بكل طرف. وهذا ما أسميناه “التناقض مع النقيض الإيديولوجي”. تعزز هذا التناقض الإيديولوجي بمطلوب مرحلي، من المستبعد أن يكون الوعي به قد تحقق عند الطرفين المتناقضين معا.

– إنتاج أطروحة للعمل الطلابي على ضوء تجربة في الماضي، ومن خلال قراءة إيديولوجية في هذه التجربة؛ شعاراتها “الخلافة” و”الفتنة” و”الشيخ” وغيرها من المصطلحات التي أصبحت الجامعة فضاء لها، تؤدي وظيفة الاستقطاب والتأطير في الجامعة وخارجها. وهنا بالذات، نجد نموذجا خاصا، هو أشد النماذج توظيفا للجامعة لصالح الإيديولوجيا؛ مصيره التفكك، لأنه يعيش في الإيديولوجيا لا في الواقع، في “الجماعة” لا في “الجامعة”. كل القضايا عنده طريق إلى “نموذجه الإيديولوجي الخاص”، لا يمنحها منه إلا بقدر ما تمنحه منها. كلما اغترب الفاعل الطلابي عن واقعه إلا وكان أقرب إلى هذا النموذج، يُسقط مثاليته (طوباه) في الواقع/ المجتمع على الجامعة، فتسحيل هذه بمثابة رجع صدى لطوبى لا لواقع ملموس.

لم تكن هذه النماذج مؤهلة لتحديد تناقضها الملموس والموضوعي، فبقيت حبيسة التناقضين المذكورين في المقال السابق: تناقض مع السلطة/ الدولة، وآخر مع النقيض الإيديولوجي. في حين أن هذين التناقضين لا يفسران نفسيهما، وهما في حاجة إلى تفسير أعمق، جوهره تناقض اجتماعي أعمق قد يوجههما منحاه ضد غايتيهما، أي ضد تحقيق المطلب السياسي (الديمقراطية) والمطلب الاجتماعي (الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية)، أو ضد غايتهما الإيديولوجية (انتصار إيديولوجيا خاصة وانتشارها).

يجب البحث عن التفسير الأعمق اجتماعيا، عن التناقض الرئيس، لا في ظاهر الواقع السياسي المغربي وما يشهده من تقاطبات وسجالات سياسية ومعارك نقابية، بل في جذور التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية في مغرب الاستقلال، كيف تشكلت هذه التشكيلة؟ وكيف نمت وتطورت في أحشاء نوع من التأثير المتبادل بين التقليد والحداثة؛ من جهة، بين بنية سياسية أسسها الموحدون ورسخّها وطورها العلويون، قوامها الزوايا والأشراف والفقهاء، ونظمتها لقرون أنماط من الإنتاج مختلفة ومتداخلة (إقطاعات وإيتاوات، تجارة، حرف…)؛ وبين، من جهة ثانية، بنية حديثة فرضتها إدارة “الحماية”، بحمولتها الإدراية (البيروقراطية الحديثة) والتعليمية (المدرسة البورجوازية الفرنسية) والاقتصادية (الرأسمال)… بتركيب هذه العناصر تأسست الدولة الوطنية الحديثة لمغرب الاستقلال، تحمل بين ثناياها ما هو منها وما هو من غيرها، وهذا الذي من غيرها على صنفين:

– صنف من تأثير “الحماية” فأفرز مكونات مغربية، كالبورجوازية المغربية التي استفادت من تطور قوى الإنتاج الرأسمالية الاستعمارية، أو كالنظم الإدارية والمؤسساتية التي ساهمت في تنظيم الحياة العامة…

– وصنف من إبقاء “الحماية” على بعض مصالحها فينا، لتنضاف إليها مصالح أخرى من نمط استعماري جديد؛ تبتز المغرب في قضية الصحراء المغربية، وتضغط بملف “حقوق الإنسان”، وتدافع عن مصالح رأسمالاتها (شركاتها ومصانعها ومستثمريها) في المغرب، وتستهدف الدين واختياراته المغربية (ومن خلال ذلك: الشرعية الدينية للدولة)…

إن استمرار الظاهرة الاستعمارية في شكل جديد، لا يفرض تهديده على الطبقات والكتل الاجتماعية والفئات الدنيا فقط، بل على جميع الفئات، دولةً ومجتمعا، عمالا وفلاحين وكداحا ومالكي وسائل إنتاج، فقهاء يستنبطون الأحكام ومفكرين وخبراء لا يجرون النقاش مجراها (الأحكام)؛ وهذا عكس التحليل الذي يصطنع تناقضا متوهما بين الطبقات الدنيا من جهة، والاستعمار والرأسمال التبعي من جهة أخرى. فهذا الرأسمال وإن كان تبعيا، فهو مهدد برأسمال أجنبي ينافسه في سيادتيه المادية (التراب والسوق الداخلية والخارجية) والمعنوية (السلطة والإيديلوجيا). من يقول العكس لا يزن الأمور بميزان قواعد الاقتصاد والسياسة، وإنما بميزان هواه، فيضع من يشاء في صف من يشاء ونقيضا لمن يشاء.

التناقض الرئيس إذن، بين دولة وشعب من جهة، واستعمار جديد من جهة ثانية؛ على رقعة: الاقتصاد الوطني، والصحراء المغربية، واللغة العربية، والدين والتدين (الوجودي والوطني)، وحق الانسان المغربي في التحرر والاستقلال ثم التنمية والعدل. هل هذا يعني ذوبان باقي التناقضات، كتلك القائمة بين العمال ومشغليهم، بين العاطلين والرأسمال، المركزية واللامركزية…؟ هناك عدد من التناقضات يمكن رصدها في واقع المغاربة اليوم، إلا أنها تبقى تناقضات ثانوية لا يجوز إهمالها، ولكن يجب أن تقدر بقدرها في إطار معركة الجميع؛ الدفاع عن القضية الوطنية في مختلف تجلياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية…

لم تحدد الحركة الطلابية تناقضها الرئيس بدقة، لم تتوصل إلى التناقض الذي ذكرناه، فبقيت حبيسة إما تناقضات ثانوية (كتلك التي مع السلطة)، أو متوهمة ومصطنعة (كتلك التي مع النقيض الإيديولوجي)… لو عرِف التناقض الرئيس منذ البداية، لانصرف اهتمام الحركة الطلابية إلى قضيتها الرئيسية، أي: كيف تساهم الجامعة في دعم الدولة المغربية بمختلف مكوناتها أمام الاستهداف الأجنبي، دون إهمال لحقوق الطلبة ومطالبهم الاجتماعية؟ وربما، لمَا سادت سنوات من سوء الفهم، عَرفت “حظر أوطم” و”استفحال العنف الجامعي” و”تشتت الحركة الطلابية” و”اضطراب وعيها النظري وممارستها العملية”.

الذين لا يروقهم هذا الكلام، يتشبثون بشعارات الأزمة؛ عليهم أن يجيبوا على سؤالين: لماذا لم تنجح شعاراتهم؟ وكيف تتجاوز الحركة الطلابية أزمتها في عالم معقد ومتقلب؟ إنه نقاش جدي في واقع موضوعي لا في نفسٍ ملأتها الطوبى، لا تفهم ماضيها المأزوم، وتريد إعادة إنتاج نفس الأزمة في حاضر مُضبّب!

(يتبع)

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: