صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

أدوار الحركة الطلابية في شرطنا الراهن: بحث عن فاعلية جديدة (1)

بقلم: محمد زاوي

منذ تأسيسها (تأسيس أوطم 1956)، ساهمت الحركة الطلابية بشكل أو بآخر في التاريخ المغربي، صادرة في ذلك عن وعي بمؤدى عملها أو عن غير وعي. إنها في أشد حالاتها تراجعا وضعفا تنتج بالإضافة إلى فاعلين آخرين توازنَ مرحلة ما، فاستمرت وحافظت على وجودها وإن لم يرُق هذا الوجود كثيرا من أبنائها وخريجيها. الواقع غير المثال، والحقيقة ليست ما يعلق في الذاكرة بالضرورة.

هذا جدل في تاريخ الحركة الطلابية، كما هو جدل في تاريخ كافة الحركات الاجتماعية؛ يحسن الممارسة مَن أحسن استيعابه واستثماره؛ ومن أضاعه أو أهمله، وربما لم يجده في واقعٍ ولا طوَّره في ذهنٍ، نحا بممارسته عكس منحى التاريخ وكان حكمه على الواقع بعين “لا ترى الأشياء كما هي”، فيكثر تفاؤله حينا أو تشاؤمه حينا آخر.

في جوٍّ من النحيب والبكاء على أطلال متخيلة ومتوهمة يجب أن “يُكشَف الغطاء ويَبدوَ الصبح”، يجب تقييم الماضي بعقل جديد غير العقل الذي ساهم في أزمات الماضي؛ غير هذا رجوعٌ إلى الوراء وبحث عن مقدّمات أزمة جديدة.

كانت الحركة الطلابية، وما زالت في وعي كثيرين إلى اليوم، رهينة تناقضين تصطنعهما فيكبلانها، وقلّ ما يعكسان تناقضين واضحين لا لبس فيهما على مستوى المجتمع وبنياته الإنتاجية. التناقض الأول مع السلطة/ الدولة، والتناقض الثاني مع النقيض الإيديولوجي. ويعكس كلا التناقضين واقعا سياسيا خارج الجامعة. وعوض أن تفكر الحركة الطلابية للجامعة، ثم للمجتمع انطلاقا من هموم الجامعة أو في نوع من الاستقلالية عن صراعات سياسية تطبعها المرحلية؛ عوض ذلك كانت هذه الحركة تجد نفسها مكبلة بهذه الصراعات، غير قادرة على إنتاج البديل في جامعة مشاكلها مركبة ومعقدة لا يمكن اختزالها في عدد من الشعارات التي تُصاغ ميتة في واقعها، تنتظر موت بريقها المرحلي وروحها الإيديولوجي.

ما النتيجة؟ المساهمة في إنتاج توازنات مرحلية، وبعد حين تفقد الحركة الطلابية -متجسِّدة في أي تيار إيديولوجي وسياسي- قدرتها على الاستمرار والوجود.

لماذا؟ لأن الحركة الطلابية ظلت ترهن فعلها في توازنات لا تعيها، فإذا خرج توازنٌ جديد من رحم توازنٍ قديم عجزت عن التكيف، وقد تصبح قابلة للتوظيف كجزء من توازن جديد لا تعيه أيضا. من لا يستوعب مجال حركته استيعابا دقيقا سديدا، يبقى دائما عرضة للعواصف!

كان على الحركة الطلابية أن تجيب على أسئلة لم تطرحها تنظيماتها الحزبية والنقابية خارج الجامعة، إلا أنها بقيت حبيسة رهانات تلك التنظيمات، تراهن على المرحلة كما هي، لا على إمكانات وعيها وقدرتها على طرح البدائل. تراجع الاتحاد الاشتراكي فرأينا مصير قطاعه الطلابي، اضطرب اليسار الجديد وانقسم على نفسه مرات ومرات فرأينا مصير فصائله في الجامعة؛ والتاريخ عبرة لمن يعتبر!

تشترك التجربتان المذكورتان في التناقضين أعلاه؛ تناقض ضد السلطة، وآخر ضد النقيض الإيديولوجي (الإسلاميين بالنسبة لليسار عموما، أو الإصلاحيين بالنسبة لليسار الراديكالي). سجال في المجتمع وصراع في الجامعة؛ أين القناع؟ “لكل معركة في المجتمع صداها في الجامعة”.

لم يكن هذا النقاش ليطرح بحدة لو نجحت رهانات السياسيين خارج الجامعة؛ ولكنها لم تنجح، بل نجحت في الوقت الذي اتهِمت فيه بالتراجع والانحراف عن خطها السياسي والإيديولوجي، أي بعد أن قررت المساهمة في التوازن تحت سقف محدد! تتقدم الأحزاب بخطوة إلى الأمام نحو “الوعي بضرورتها السياسية”، في حين تبقى الفصائل الطلابية حبيسة “حلمها الأول”، وقد يقع فيها الانشقاق كما يقع في تنظيماتها الحزبية والنقابية.

كان من الممكن -وما زال- أن يحدث العكس لو فكرت الحركة الطلابية بطريقة جديدة؛ لو طرحت بنوع من العلمية والجدية، وبعيدا عن رهانات عقل مأزوم، هذا السؤال: التناقض مع من؟ دون إجابة على هذا السؤال، تنتج الحركة الطلابية تحليلات زائفة، وتطرح بدائل زائفة، وتكون ممارستها العملية لا تاريخية كما كان تفكيرها لا تاريخيا.

(يتبع)

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: