صوت الجامعة المغربية

“أوريد في “الحديث و الشجن “: لا شيئ يسموا بنا كالألم..” بقلم ابراهيم فنزاوي

حفريات في خيبات المثقف و جراحه الثخينة

ابرهيم فنزاوي- ماستر متخصص في الهندسة وتدبير الجودة 

هو

نبقى دائما أسرى الانطباع الأول،القراءة الاولى،الحرف الاول ..

حسن اوريد كعب عالي لا يشق له غبار، مكنته باللغة و ناصيتها و مقدرته على تطويعها تطويعات جمالية أخاذة مسألة تميز الرجل.. قرأت للرجل ربيع قرطبة فوجدتني مرتبطا بحروفه و أسلوبه ..الأدب و الرواية هي آخر ما يبقى للمثقف للتعبير عن ما يختلج في الكينونة.

الحرف لا ينغرس في الاحشاء حتى يكون حاملا لدفئ المشاعر، لنتوء الأيام، كذاك كانت احرف الرواء، رواء مكة، فلامست القلب. كل كلام القلب لابد و له صدى في القلب.

قرأت له بعدها الاجمة التي لم استحسانها استحساني ربيع قرطبة، ربما لان سقف الانتظار و الاستزادة كان عاليا فكانت كما النظريات الحديثة،كاسرةً لأفق الانتظار .. اَي فضاء أفضل من الرواية لتنسيب  الحقائق و تجريب الأفكار و مطارحة الرؤى و معانقة المنى و تجسيد المثال..

عكفت بعهدها على قراءة الطبعة الجديدة لروايته -الحديث و الشجن-، سياق فورة، لكنها حسبه لم تلق الصدى و الإشعاع الذي أراد لها ان تلقاه، بعض النصوص تحمل راهنيتها في ذاتها، تحتاج الى الإحياء، تحتاج الى السياق.. الحكي بنضجه و كماله يحمل برهانه في ذاته.

آمن بالنص، فأعاد نشره في طبعة ثانية.. قرأت النص، و تعلقت به..الأدب احد مداخل فهم عوالم الذات و ما تخبئه من خيبات، كانت الرواية وفية لعنوانها، الشجن، الحزن الصامت،دموع القلب التي لا ترى ، و قديما قالت العرب الحديث ذو شجون اَي ذو مسالك متشعبة و متشابكة، و كذاك كانت مسالك الرواية، ما بين فصل كان بلسانه(هو) و فصل كان بلسانها )هي(.(

هو…

( الا ما اصعب ان يجري المرء حفريات ذاته)ص9  هكذا بدأت الحفريات في الرواية .. هكذا تبدأ مراسم الحفر في ذات يوسف الشخصية الرئيسيّة لتتبع مراحل حياته، بأعذب مشاعرها و أرهفها  و عذاب الذكرى و لهيبها، يوسف الذي عانق منذ الصغر شموخ جبل العياشي في قرية أغرم ناموسى و مناجم احولي، و لان أباه كان مع موعد جارف مع التاريخ يفقده و هو مازال بعد طفلا يحبو، تلك الجراح التي لا تندمل، ذلك الفتق الذي يحدث في الروح ذاك الخرق، لان أباه كان مناضلا نقابيا في المناجم، كان مطلوبا عند سلطات الاستعمار، رحل الوالد هاربا الى الجزائر و يوسف لم يزل بعد طفلا ذاك الهجر الذي لن ينغفر.. في تفاعلاتنا مع النصوص نتمنى لو كان التاريخ شريطا فنعيد تشكليه لننتشل ارواحا مستها نتوء و جراح لا تندمل .. بعض الجراح تبقى غارقة لا تفارقنا طوال أعمارنا كذاك كان شأن ذاك الجرح الغائر الذي غرسه هجران ابيه له و لامه، هجران ترك في القلب غصة قاتلة ظلت كالرماد تشعلها رياح الزمن و حوادثها  مهما كانت عرضية .. خصوصا حين العودة عودة الآبق الى المكان الذي ذاق فيه قسطا من الجراح و الامال ..

يتقلب يوسف في شقته في الرباط كمن لدغته حية. لهذا المهندس في مكتب السكك الحديدية ذكريات موجعة، تبدو له في صورة المرأة الوحيدة في شقته، صورة أمه : صورة أمه تربض على حافة السرير كأنها ترنو إليه، يتحاشى نظرتها.. عينان تخبئان حزنا عميقا . كذا كانت دوما، رأسها كما دأبت ملفوف بخمار  من انفها الى ذقنها ،وشم يلوح . و على وجهها ملامح جمال أمازيغي ذبل، لم تعرف من الدنيا غير المعاناة .. غاب عنها زوجها و ترك لها وليدها يوسف .. كان الأب في ذهن يوسف مزيجا من الذكرى و الحلم ، ذكرى لانه رحل عنهما و حلما لانه لم يغب كلية و ظل الأمل قائما في العودة .. قصارى ما يعرف يوسف عن ابيه انه التقى أمه غداة الاستقلال و تزوجها ..فأنجبته، كان والده مشتغلا بمناجم جرادة للفحم و متضلعا بالعمل النقابي خلال الاستعمار، ففصل و رحل الى مناجم احولي قبل ان يلاحق من طرف السلطات فيهرب للجزائر حيث كانت حرب التحرير على أشدها .. رحل و لم يعد.

نشأ الولد في احضان أمه التي كانت له الأب و الام، الحضن و المدافع، كم هي غالية تلك التضحيات التي تدفعها الأمهات في سبيل فلذات الأكباد، و كم هو الجحود الذي يقابل به الأولاد سنوات من العطاء احترقت فيها أكباد الأمهات حتى يرين فلذات أكبادهن و قد درجوا في الحياة و اتخذوا لهم مسلكا من المسالك .. لابد للمرء و هو يقرأ عن تضحيات الأمهات ان تخنقه العبرات..

نشأ يوسف و كان الأب دائما عقدته و سبته بين اقرانه في المدرسة، أهي أشياء بسيطة تُشعرنا اننا لسنا  كغيرنا من الأقران حين يملأأوراق المدرسة و يبقى مكان الأب و مهنته خاليا، فينهره المعلم فيتذرع بانه لا يعلم ، فيجيب المعلم و هل هناك من لا يعرف مهنة ابيه، لو كان المعلم مطلعا بالنار التي في الحشا لدرى  ان هناك من لا يعرف أباه فما بالك بمهنته، آه ما أمض وقع الظلم على النفوس الصغيرة، انه ليحفر في النفس أخاديد لا تلتئم ، بلغت  الجسارة ببعض اقرانه  ان يسبوه بهذا القدح ابن بلا أب، كان الامر يحرق فؤاده .. كان يحول هذا الحنق كله تجاه ابيه، هذا الذي رحل من دون وداع تاركا ورائه اما و طفلا يواجهون قساوة الحياة.

بلغه ان خالته رتبت لقاءً مع بعض الخطاب الذين ارادو خطبة أمه فرفضت، كان حانقا على خالته.. قررت أمه ان تنذر حياتها لتعليمه، و تربيته و ان تزهد في زواج ثان بعد ان اخذت الطلاق و قطعت اليأس باليقين من عودة زوجها، ما اعظم تضحيات الأمهات في الحياة، يكون المرء حين الاشتباك بالنص و بالمواقف ذاهلا، الإسقاطات كثيرة، الحقيقية واحدة: لا كائن في الوجود يعادل الام في الحب و الحنان، في البذل و التضحية..

شب الشاب، تدرج في مراتب العلم، حصل على الباكالوريا ليلتحق بالمدرسة المحمدية للمهندسين، كان نظامها الصارم حافزا له على العمل الدؤوب  كانت تستهويه القراءة و الروايات، تأثر تأثيرا بالغا بأب الوجودية سارتر، انه يذكره حين يقول على لسان احد ابطال رواياته، لا يتذكر عنوانها، ان مرحلة الشباب داء برجوازي، و ليس هناك مرحلة انتقالية للمناضل من المراهقة الى سن النضج . لقد كان في نظره سارتر هو التعبير عن الوعي الشقي لفرنسا، انه امتداد الإنسية الفرنسية الذي رسمه مونتيري مرورا بفولتير..

كان مؤمنا مقتنعا اقتناعا راسخا بأن الحل هو الاشتراكية العلمية كسبيل للاندماج في ركاب العقلانية، كان يمضي كثيرا من الأوقات يجادل في ان الاشتراكية العلمية هي منتهى العقلانية حسب كرامشي، و ان الرأسمالية سبب في كثير من المظالم كالاستعمار و الإمبريالية.. ظل يجادل ان مجتمعاتنا توقفت في مسيرة التاريخ و لم تفرز جدلية تاريخية ..

التقى بأمينة، المنحدرة من أوساط بيضاوية برجوازية، كان فقير الإحساس محتاجا لمن يريه كيف يحيى، كثيرمن الامال تتحطم على صخرة الاوهام، كانت أمه غير مقتنعة بها لان حدسها كان اصدق من كل زينة و كل غلاف، كانت تعرف انهما شيئان مختلفان لم ينبجسا من ذات النبع و لا يوليان نفس الوجهة، و كذاك كان، لم يكن ممكنا ممن يعتنق أفكار الاشتراكية العلمية ايمانالمنحدر من جبال العياشي ان ينسجم من مدللة “بيضاوية ” من أوساط رأسمالية تولي وجهتها فرنسا، كان منطق الأشياء يقتضي الفراق، هل ننتظر علاقات تحطمنا و تكشف هشاشة بنائنا، أمينة كانت بالنسبة اليه المثال الذي انهد و سيتبعه انهداد بنايات أخرى، كان النموذج في الاتحاد السوفياتي ينهار كما انهار بيته، طموحاته، دفوعاته، مع كل سقطة يتذكر ماضيه الاليم، ظل متمسكا بها لآخر رمق رغم كل الظروف، كان يستجدي أدبياته الماركسية حتى في هذه العلاقة، هناك دوما تخلف بين الأسباب و المسببات، الادبيات الاولى للماركسية تقول ان الظروف الموضوعية لا تؤدي حتما الى التغيير.. هناك خلل تتحكم فيه ظروف ذاتية، الا ما اصعب ان يحاول المرء انقاد بنيان ينهد . و انهد.

يا فؤادي رحم الله الهوى كان صرحا من خيال فهوى..

اشتد بينهما النقاش و السباب و كان ان نطقت )ولد الحرام)

الا ما أظلمك يا أمينة، اما كان لك ان تمسي الفؤاد الا لتؤذيه، اما كان لك تلمسي الجرح الا لتنكئيه، عيرته في موطن ضعفه.  و مع ذاك لست لقيطا . هو هذا الذي أريدك ان تعرفيه، هذا الأب الذي لم يملأ حياتي رغم أخطائه التي لست أنكرها كان على موعد مع التاريخ، لي اب يا أمينة ناضل و جاهد، اخطأ و اخفق، أنا اول المقرين بذاك، و لي أم لم تكوني تنظرين اليها الا شزرا، بل تكرهين لغتها و تمجين كلامها، و هي غائرة في تربة هذه الارض تحمل سر عبقريتهم ..

مع ذاك لا أنكر شيئا، بريقك الساطع الذي يغري، سرابك الذي يحرك الظامئ حتى اذا وقفت عليه لم اجد شيئا.. و يخطئ الناس حينما تواتيهم الفرصة فينظرون الى غيرهم من عَل. يخطئ الذين يمتلكون المال و السلطان في حكمهم على من لا يملك المال و السلطان . لكن التاريخ متقلب رغم سكونه الظاهر و رغم اعوجاجه

أمينة جرح ثخين برى جسداً أعيته الأيام..

هي…

من رحيق المعاناة يمتح، كان يردد مقولة بيت الفريد دومسية : لا شئ يسمو بِنَا كالالم…

هي، فوزية، الوجه الاخر لهذه الملحمة.. اصلها من بني احمد، لها اخوة، واب كان ترجمانا في الادارة الاستعمارية،لكنه كان ملتزما وطنيا، أمها تقليدية، التقت به في مقهى سنة ثمانية و ثمانين و تسعمائة و الف.. جمعهما لقاء مع صديق مشترك في مقهى، كانت فوزية استاذة للأدب المقارن بالجامعةلم تكن تدري انها ستكون بدورها الشماعة التي سيعلق عليها خيباته و ما بقي من الم يعتصر قلبه بعد خيبة فشل العلاقة الاولى..نظل  اسرى الخيبات لا نملك الفكاك منها، بدأت العلاقة الجديدة مع فوزية مترنحة، كانت تحاول ما أمكن ان تشمله بالعاطفة التي ظل مفتقرا اليها، ظلت تحاول ان تلملم شتات روحه، انكفأ على ذاته غرق في القراءة، كان يقرأ كل شيء أكوام من الجرائد و المجلات ، روايات في كل مكان .. لقد كان يعيش الشتات، بقي أسيرا لماض شكله و صاغه كما يصوغ الأطفال العجينة.. ذكرى أب مضى و لم يعقب، كان يمثل بالنسبة اليه الأمل الذي يأتي و يذهب يأبى ان يودعه، و ذكرى فوزية التي كانت صرحا من خيال هوى ..

جاءه المرسول،ظرف يحمل خاتم نور الدين من الجزائر،رافقته فوزية في رحلة الأمل الأخير، علها تنبعث من الرماد ذكرى ابيه، كان على حنقه بوالده لازال يمنى النفس بلقاء اخير يفجر فيه سؤاله الذي ظل ثلاثين سنة يحرق كبده:ما حملك على فعلتك أبتاه!! اَي ذنب اقترفته أنا و امي كي تتخلى عنا و ترحل من غير سابق إنذار، ما ذنب ايزة هذه الام الرؤوم حتى تتركها و تتركني معها نواجه مصيرنا لوحدنا؟ هل كان هناك شي يستحق ان تدع فيه صبيا يشب محروما من حنين و دفئ الابوة.. كانت الطريق تمتد و تمتد معها الأسئلة، اميال تطوى و معها أسئلة تنبعث من اعماق روح مكسورة.. وصل الى الجزائر، يلتقيه نور الدين، اني أنا اخوك يا يوسف اخوك من ابيك، يحتضنه و يهمس في أذنه ان أباه كان يمني النفس بلقاء اخير، لكن أقدار الله سبقته اليه.. كان الخبر كالصاعقة، ذاك الرماد الذي كان يمني نفسه ان تنبعث منه ذكرى ابيه حملته الريح شذر مذر، حملته  الى سراديب عالم السرمدية..

يصحبهما نور الدين الى حيث كان يعيش أبوهما مع زوجته الثانية، طلعوا في سلالم تفضي الى شقته حيث سترتمي في احضانه اخته تقية و الدموع الحرى تنهمر من عيونها، ما اصعب هذا الزمان الذي يفرق بين الأخ و اخته اكثر من ثلاثين سنة، في الجدار تتبدى صورة شيخ غرقت عيونه في جمجمته،ملامحه شاحبة و على ملابسه أوسمة الكفاح الوطني.. كانت هذه اللحظة التي فجر فيها يوسف حنق ثلاثين سنة من الفراق القسري، لم يكن الجهاد الوطني و خوض حرب التحريرفي الجزائر  ليشفع لأبيه، فالجراح التي خلفها في نفسه خالدة..

نظل أسرى جراحاتنا الغائرة، لا نملك الفكاك منها، تأبى صورة الأب الذكرى و الأمل الذي استحال سراباً لا تغادر ذهن يوسف ..

يتأزم ويعيش حالة من التيه و الفقد و الغربة و الضياع..تمضي الأيام ليقف بين البحرين في كاب سبارتيل بطنجة، تطلب منه فوزية خليفة له يحمل اسمه من بعده، من هناك كان الاتفاق ان يكون اسم ابنه طارقا.. كانت فكرة الابن تعذبه و هو الذي اكتوى بنار الهجر في مهد الصبى، كيف يضمن ان يكون الأب الذي لطالما تمناه، للذي يتشكل في حشا فوزية .. يرن الهاتف، تصعقها اسلاكه، لقد مات يوسف في حادثة سير في الطريق السيار بالدار البيضاء..

هكذا كان قدر طارق ان لا يعرف أباه كما قان قدر ابيه من قبله .. هكذا نخطط فتسبقنا الاقدار و تهوي بكل الأماني ..

كيف لكل هذه الأحاسيس ان تنفذ للوجود لولا هذا اللون الأدبي الرائق، نعود للرواية و الأدب عودة الابقين، عودة من مَس ارواحهم الظمأ .. الحياة لعب مع المجهول..سعي وراء المحتوم.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: