صوت الجامعة المغربية

إدام يكتب “نحو مُساءلة حقيقية للنموذج التنموي المغربي”

حمزة إدام-نائب رئيس المنظمة

“النموذج التنموي للمملكة أصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي”، بهذه الكلمات لخّص العاهل المغربي قصة فشل المسار التنموي الذي اختطه المغرب لنفسه منذ عقود طويلة،  مسار تكاثرت في الآونة الأخيرة مؤشرات فشله حتى كاد أن يصبح محط إجماع بين جميع المراقبين والمتتبعين للشأن التنموي، قبل أن يأتي ملك البلاد ليعلن الخلاصة بشكل لا يقبل التأويل.

وبقدر ما يحمل هذا التصريح ذو الدلالات المتعددة من جرأة وشجاعة ونقد ذاتي لاذع لخيار تبنته الدولة وأثبت فشله، بقدر ما يؤشر على رغبة المؤسسة الملكية في تحقيق نقلة نوعية لا تكتفي فقط بالتركيز على إصلاحات قطاعية هنا وهناك، وإنما تنتقل إلى مساءلة الأسس البنيوية للاقتصاد المغربي، أضف إلى ذلك أن سؤال النموذج التنموي لم يعد مرتبطا فقط بالتنمية في بعدها الاقتصادي المحض، وإنما أصبح شاملا لكل الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يؤشر عليه بوضوح التطور الذي حدث لمفهوم التنمية الذي تتبناه المؤسسات الدولية والأبعاد المتعددة التي أضيفت إليه.

إن بناء نموذج تنموي جديد في المغرب لا وبد أن يوَاكَبَ بتغيير جذري على مستوى الأسس الفلسفية والمرجعية لهذا النموذج، وهو ما لا يمكن أن يتم إلا من خلال إعادة النظر في النموذج المجتمعي الذي يتبناه المغرب، ويحتم الإجابة على الأسئلة الكبرى من قبيل : أي دور للدولة في النموذج التنموي الجديد؟ أي موقع للإنسان وللثروة البشرية في هذا النموذج؟ أي مكان للخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع المغربي؟ أي موقع للعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية في ظل تبني نموذج رأسمالي تتناقض فلسفته مع منطق العدالة وتقليص الفوارق الاجتماعية؟ أي موقع لإشراك المجتمع بمختلف فئاته في صياغة ونحت النموذج التنموي الجديد ؟

هذه الأسئلة وغيرها تمثل عمق المراجعات التي يجب أن تطال النموذج التنموي المغربي في صيغته الجديدة، وأي نقاش يبتعد عن مساءلة هذه الأبعاد ويختزل الإشكال في بعده الاقتصادي البحت لا يمكن إلا أن يكون دَوَراناً في حلقة مفرغة وتفكيرا داخل نفس الإطار الذي أنتج الفشل الذريع الذي اعترفت به كل المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الملكية.

إن اللحظة الراهنة وخلاصات التجربة التنموية المغربية تستوجب التفكير بجدية في مراجعة الخيار الذي سار فيه المغرب منذ عقود بتبني نموذج اقتصاد السوق الرأسمالي الذي يركز على تنمية الاحتياجات وإشباعها، وهو ما يجعل الاستهلاك محركا رئيسيا للتنمية الاقتصادية، وما يستتبعه ذلك من استشراء لثقافة الاستهلاك وتبعات ثقافية واجتماعية أثبتت خطورتها حتى في الدول التي تعتبر نموذجا في التطور الاقتصادي والنجاح التنموي، ولا أدل على ذلك من تعدد الأصوات الغربية التي تنادي اليوم بضرورة وقف النزيف الذي أحدثه النموذج الحضاري والتنموي الغربي، والذي أصبحت معه المجتمعات الرأسمالية اليوم تعيش كابوسا مجتمعيا هو ضريبة طبيعية لتبني التقدم والتنمية وفق نموذج الرأسمالية الجشعة.

وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى الدور الذي يجب أن تضطلع به الجامعة في هذا الباب، بل ودورها في قيادته من خلال المساهمة في أوراش التفكير المفتوحة ونقل النقاش من الحقل السياسي والاقتصادي إلى الحقل العلمي، رغم كل الضعف الذي يعتري بنانا البحثية والاهتمام الباهت من طرف الدولة والمجتمع بالبحث العلمي، وهو نضال يجب على الجامعة بجميع مكوناتها وفي قلبها الحركة الطلابية أن تخوضه إلى جانب نضالاتها الأخرى، نضال إعادة الجامعة إلى قلب النقاش العمومي وإعطاء القيمة المستحقة للبحث العلمي ودوره في توجيه التفكير في هاته الأوراش وإبداع النموذج التنموي الذي يستحقه المغرب وتستحقه أجياله المقبلة.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: