صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

“التعدد الثقافي في الجامعة المغربية-الجزء 2” بقلم د.عبد الرحمان اليعقوبي

د.عبد الرحمان اليعقوبي- أستاذ مادة الفلسفة

اقرأ أيضا: التعدد الثقافي في الجامعة المغربية-الجزء 1″ بقلم د.عبد الرحمان اليعقوبي

المقدمات السابقة تقدم لنا ملامح الأطروحة التي نتبناها لمعالجة هذه القضية، ولتوضيح ذلك يمكن طرح الإشكاليات التالية:

ماذا نعني بالتنوع الثقافي داخل الجامعة المغربية؟ هل يمكن أن ترقى بعض الخصائص السلوكية والثقافية للحديث عن تنوع ثقافي داخل الجانعة المغربية؟ ما علاقة التنوع الثقافي داخل المجتمع الواحد داخل بوحدة الدولة ووحدة المصير؟  هل يعتبر البحث عن التنوع إغناء لوحدة الدولة والمجتمع أم يعتبر على عكس ذلك إضعافا لهذه الوحدة؟ هل ترقى صور التعدد التي يعرفها المجتمع إلى الحديث عن تنوع ثقافي  أم أن الأمر يتعلق بتنوع داخل الوحدة؟

قد نختلف في الإجابة عن كل هذه الإشكاليات  لكنا سنعمد إلى طرح يعتمد الحديث عن التنوع داخل الوحدة الثقافية وليس خارجها.  الجامعة المغربية هي مؤسسة تنتمي إلى المجتمع المغربي وليست خارجه. صور التنوع داخل الجامعة هو صدى لما يعرفه التعبير الثقافي في المجتمع.

حول مفهوم التعدد الثقافي

مفهوم التنوع الثقافي باعتباره قضية فكرية وفلسفية واجتماعية معاصرة ينبني على أن الدولة يجب أن تكون ملكا لجميع مكوناتها وجميع التعابير الثقافية المشكلة للمجتمع الذي تمارس سلطتها عليه. وهذا من خلاا مبدأ المساواة ونبد كل صور الإقصاء وسيطرة عنصر واحد على العناصر الأخرى واستبعاد الأقلية لصالح الأغلبية. فالتنوع الثقافي يعني مشاركة الكل مع احتفاظ كل مجموعة بخصوصياتها اللغوية والتعبيرية والسلوكية.

ننطلق في هذا القول من الظروف التي نشأ فيها هذا المفهوم والتي هي الواقع الاجتماعي الغربي، والذي شهد الانتقال من الدولة القومية إلى الدولة متعددة القوميات خصوصا بعد موجة الهجرة التي شهدتها هذه البلدان. لقد ضعف  شكل الدولة الأمة في مواجهته لتطور اجتماعي مغاير فرض نفسه يدعو إلى تجاوز كل تمييز في المواطنة ينبني على العرق أو الثقافة. فالدولة هي أداة للوحدة على أساس المواطنة وليس على أساس القومية الغالبة.

“من هنا يمكن القول إن مفهوم التعدد الثقافي يتضمن جانبين: التعبير النقدي عن واقع الأقليات، وتقديم بديل سياسي ونظري، سواء بالنسبة إلى المشكلات السياسية و الاقتصادية والثقافية التي تطرحها الهجرة  والاندماج والتربية والتعليم وتمثيل الأقليات أو بالنسبة إلى المشكلات النظرية للفلسفة الليبرالية. ويمكن التعبير عن هذه المشكلات بالقول: إن المجتمعات المعاصرة تتميز بتعدد هوياتها الدينية والأخلاقية وبخصوصيتها الثقافية وبأنماط حياتها المختلفة” (الزواوي بغورة: التعدد الثقافي  مفهومه ونظريته، مجلة عالم الفكر، ع 2 ، الكويت 2015 . ص: 8 ).

لتنظيم واقع التعدد الثقافي وضع المشرع الدولي مجموعة من المرجعيات القانونية  والتي يجب الرجوع إليها في تدبير التنوع. وقد وجدنا تجسيدا لهذا في دساتير كثير من الدول الغربية. وهي نفس المرجعية التي يتند إليها الدستور المغربي.

من بين المرجعيات الهامة في هذا الباب يجب الإشارة إلى “الإعلان العالمي حول التنوع الثقافي” « Déclaration universelle de l’UNESCO sur la diversité culturelle » المعلن من طرف اليونسكو سنة 2001 الذي يعتبر الأداة الفعلية والمعيارية للاعتراف بالتنوع الثقافي كموروث إنساني وجب الحفاظ عليه في إطار احترام الكرامة الإنسانية. وتضاف إلى هذا الإعلان اتفاقية الحفاظ على الموروث الثقافي (الغير المادي، الرمزي) « convention pour la sauvegarde du patrimoine immatériel » المعتمدة بتاريخ 20 يونيو 2007 من طرف 78 دولة (من بينها المغرب) وهذه الاتفاقية تؤكد على ارتباط المحيط بالتاريخ والهوية لاحترام التنوع الثقافي. وهناك أيضا إعلان مونتريال 2007 والاتحاد الأوربي. تندرج كل هذه الاتفاقيات في تبني اليونسكو مقولة “الحضارة العالمية متعددة الثقافات” « Civilisation mondiale multiculturelle ».

كل هذه المرجعيات تؤسس لضرورة الاعتراف بالتنوع الثقافي ، مما حدى بدول كثيرة إلى وضع تشريعات تعترف بهذا التنوع سواء على المستوى الثقافي اللغوي أو المستوى الاقتصادي.

التنوع الثقافي في المجتمع المغربي

دأب الباحثون الأنتروبولوجيون في الثقافة المغربية ومند الفترة قبل الاستعماري إلى رصد بعض مظاهر الثقافة والتعبير الثقافي في المغرب حسب المناطق المختلفة. وتتمثل هذه الاختلافات في وجود بعض العادات والسلوكات الثقافية التي تميز قبيلة عن قبيلة ومنطقة عن منطقة أخرى. ولذا نجد أمامنا عادات مختلفة تخص بعض مناحي الحياة الاجتماعية وتنوع لغوي يتجلى في وجود  لغات ولهجات متعددة . غير أن هذا كله يتأطر حول رؤية موحدة للوجود والحياة تطبع الثقافة المغربية.

خلال ندوة نظمتها كلية الآداب بالقنيطرة حول موضوع الأنتروبولوجيا التأويلية لدى كليفورد غيرتز يرى الأستاذ عبد الغني منديب  أن كلا من كليفورد غيرتز، وديل أيكلمان، ولورنس روزن، وهلدر غيرتز، وبول رابينو يعتبرون من أهم الباحثين الأنثروبولوجيين ذوي المرجعية النظرية التأويلية الذين درسوا المجتمع المغربي. وقد سعى هذا الاتجاه التأويلي، كما هو معلوم، إلى فهم طبيعة النظام الاجتماعي المغربي وضبط آليات تغيره انطلاقا من تصورات الأفراد وتمثلاتهم الثقافية حول الوجود وحول علاقاتهم الاجتماعية. وهذا التصور النظري هو الذي دفع كل من غيرتز وأيكلمان، وهما بمثابة الوجهين البارزين ضمن هذا الاتجاه التأويلي، إلى التركيز أكثر على دراسة المعتقدات الدينية والممارسات المرتبطة بها كمفتاح لفهم النظام الاجتماعي والنظام المجتمعي ككل بالمغرب. وعن بعض النتائج التي توصل إليها بعض هؤلاء هي أن غيرتز  يرى  أن التاريخ المغربي  هو تاريخ ديني بالأساس، حيث إن الشخصية الصانعة لهذا التاريخ كانت ولا تزال شخصية دينية بالدرجة الأولى، فالولي المحارب هو الذي يشيد المدن أو يهدم الأسوار. فإدريس الثاني، الذي يعد أول ملك حقيقي للبلاد، كان في الوقت ذاته حفيدا للرسول وقائدا حربيا كبيرا ومصلحا إسلاميا مجددا، وتعد الصفتان الأخيرتان بمثابة العامل المحدد، فلولا توفرهما لما أصبح هذا الرجل في الغالب ملكا للبلاد. كما أن مؤسسي الدولتين العظيمتين، المرابطية والموحدية، كانا في الأصل مصلحين دينيين. وأزمة الزوايا التي طبعت التاريخ المغربي، واستمرت زهاء القرنين، نتجت عن إفلاس الإيديولوجية السعدية وسقوط دولتها، كما أن القضاء على هذه الأزمة ووضع حد لها تم على يد الدولة العلوية الناشئة. ( كلية الآداب 12 مارس 2011 )

والخلاصات هنا ستكون كالتالي:

-داخل الثقافة المغربية المعروفة بهذا الإسم يصعب علينا أن نتحدث  عن ثقافة أغلبية وثقافة أقلية، بل إن الثقافة المغربية استطاعت أن تدمج داخل نسيجها الثقافي المكونات المختلفة.

-يؤكد الدستور المغربي في الفقرة المشار إليها سابقا على مسألة التعدد والروافد داخل الوحدة. وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى غنى التاريخ المغربي و تلاقي كثير من العناصر الإثنية واللغوية داخل كيانه، مما شكل الثقافة المغربية.

-إذا كانت الأبحاث الآنتروبولوجية التي قام بها علماء الأنتروبولوجيا تتحدث عن بعض السلوكات المميزة لبعض المناطق فإن هذا ليس تميز اختلاف عن الآخرين بل هو سلوك إضافي داخل نفس البنية الثقافية.

-إن التطورات الحالية في المجتمع المغربي تسير اليوم في طريق إفراز قضية التنوع الثقافي مستقبلا بعد موجات الهجرة التي يعرفها المغرب من بلدان جنوب الصحراء، وهذا أمر جديد وموضوع يحتاج إلى إعادة بناء النظرة للتنوع الثقافي مما سيغني هذا الموضوع ويعطيه قيمة أهم على مستوى البحث الأنتروبولوجي المغربي.

-إن هنالك بالفعل تنوعا ثقافيا في الجامعة المغربية بفعل وجود طلبة أجانب من ثقافات مختلفة تميز انفتاح الجامعة المغربية على باقي أقطار العالم، وايضا هنالك تنوع ثقافي ، إذا ما كنا نعني بذلك أن الجامعة المغربية تستقبل طلبة المناطق المغربية المختلفة ، وإذا ما فترضنا أن الجهوية هي تجسيد للتنوع، وإذا كانت هنالك في بعض الأحيان وفي بعض الظواهر الاجتماعية تمايزات ثقافية.

-يجب تحديد معنى التنوع الثقافي بالجامعة المغربية بدقة أكاديمية كبيرة لكي لا نسقط في هفوات فكرية وعملية وأنتروبولوجية  تنتج خلاصات متعسفة حول واقع التنوع الثقافي بالجامعة المغربية.

-يجب الحذر عند الحديث عن التنوع الثقافي من ثلاثة  أنواع من الهفوات: نقل المفاهيم دون مراعاة لظروف النشأة واتباع مناهج الأنتروبولوجيا الاستعمارية بكل خطواتها ونتائجها والسقوط في المقاربة الأيديولوجية بالابتعاد عن المقاربة الابستمولوجية للمسألة.

يتبع.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: