صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

“التعدد الثقافي في الجامعة المغربية-الجزء 3″ بقلم د.عبد الرحمان اليعقوبي

د.عبد الرحمان اليعقوبي- أستاذ مادة الفلسفة

اقرأ أيضا: التعدد الثقافي في الجامعة المغربية-الجزء 2″ بقلم د.عبد الرحمان اليعقوبي

بين التنوع الثقافي بالمعنى الأنتروبولوجي والتنوع ثقافي بالمعنى الأيديولوجي

سنعمد هنا إلى رصد تنوع آخر قد لا يهتم به البحث الأنتروبولوجي وهو التنوع الفكري والأيديولوجي. فإذا كان ما يجري في الجامعة هو صدى لما يجري في المجتمع، فإن الثقافة السياسية بالمغرب قد عرفت أكبر أشكال التنوع مقارنة بغيرها من المجتمعات العربية والنامية. ولأن هذا التنوع السياسي هو قديم في تاريخ المغرب ، فإنه يحتاج إلى نوع آخر من البحث من خلال الأنتروبولوجيا السياسية. التنوع الفكري /السياسي/ الأيديولوجي يعتبر مع ترسخه التاريخي جزءا من البنية الثقافية المغربية، ويشير إلى تنوع ثقافي بمعنى آخر وهو التنوع الثقافي الأيديولوجي..

لا يكفي إذن الحديث عن تنوع ثقافي بناء على روافد ثقافية مختلفة ولكن يجب الحديث أيضا عن تنوع بناء على روافد أيديولوجية مختلفة   تجد لها تمظهرا داخل الجامعة. وهي أيضا صورة ناصعة لأشكال التعبير والاختلاف والتنوع الثقافي.

تاريخية التنوع الثقافي في الجانعة المغربية

يمكن القول بأن التنوع الثقافي قد كان بارزا في الجامعة المغربية إبان عقد السبعينات أكثر مما هو عليه الآن، ونعني هنا التنوع  الثقافي في مظاهرة الأتنروبولوجية. والسبب في ذلك هو تمركز العرض الجامعي بالمغرب في جامعتين فقط تستقبلان مختلف الألوان التعبيرية المحلية. وقد خفت مثل هذا التنوع الآن لصالح التنوع الثاني وهو التنوع الثقافي في بعده الأيديولوجي. ولأن الحياة السياسية في البلد كانت تعرف صراعات سياسية فقد ساهم هذا في جعل الجامعة بدورها حلبة للصراع في صورته السياسية والأيديولوجية.

إذا كانت فكرة التنوع تنبني على مفهوم الاعتراف فإن الجامعة المغربية قد افتقدت هذه القيمة الثقافية والفلسفية وسخرت من أجل خدمة صراعات ليست من طبيعة الوظيفة الفكرية التي من أجلها خلقت هذه الجامعة. عندما يغيب الحوار والحرية الفكرية يقتل مفهوم الاعتراف، وتفقد الجامعة دورها الحضاري الحقيقي. فكيف إذا أصبحت الجامعة ساحة لصراع دموي عرفته بعض الجامعات منذ السبعينات وشهدنا ونحن طلبة كثيرا من مظاهره المؤسفة لا عتبارات أيدولوجية أساسا.

الخلاصة من كل هذا أن تاريخ الجامعة المغربية لم يجسد حسب ما هو مطلوب وبشكل كاف مفهوم التنوع كقيمة فكرية واجتماعية .

                                    تدبير الاختلاف وآفاق المستقبل

انطلاقا من الملاحظات السابقة يمكن أن نعيد بناء فكرة التنوع الثقافي في الجامعة المغربية . وسيكون هذا على أساس مبدأ الاعتراف بالاختلاف والتنوع، سواء كان ذلك على المستوى الأنتروبولوجي أو المستوى الأيديولوجي.

يجب أن تكون الجامعة محضنا للتربية على قيم التسامح والاعتراف والاحترام والحوار.

هذه القيم هيا لتي يجب أن تنقل إلى المجتمع لتأهيله ليكون مجتمعا ديموقراطيا. فغياب الديموقراطية داخل الجامعة يعتبر بالنسبة إلينا مدخلا لغياب هذه الديموقراطية داخل حياتنا السياسية وأساسا لظهور صراعات من أنواع مختلفة داخل المجتمع. الجامعة هي مؤسسة لتربية قدة المستقبل، فنوع التربية والتصور الذي نكونه حول الآخر هي التي ستشكل علاقاتنا ببعضنا عندما نكون أطراف في لعبة التداول على التسيير السياسي أو الفهم للآخر الثقافي.

هنالك مبدأ آخر يجب أن تكرسه الجامعة كأساس لتدبير التنوع وهو مبدأ الحرية. تتميز المجتمعات المتحضرة عن المجتمعات المتخلفة بمستوى الحرية التي يعيشها الناس ويمارسونها فيما بينهم وتقوم عليها سلطة الدولة. وعندما ينخفض منسوب الحرية يغيب الإيمان بشرعية الاختلاف والتنوع ويغيب التسامح وتنتشر مظاهر الطغيان والاستبداد.

داخل الجامعة يمكن أن نرسخ مبدأ آخر وهو مبدأ الديموقراطية. وفي معناه العام فإن الديموقراطية هي تعاقد على العيش المشترك بناء على قانون معترف به ومقبول من طرف الجميع للعيش في ظل الأمن والسلام. فإذا كان الفضاء الجامعي هو فضاء ديموقراطي فيمكن أن نتوقع فضاء سياسيا ديموقراطيا أوسع. وهذا من المظاهر التي لا تزال جامعتنا تفتقدها.

خلاصة كل هذا هو أن التنوع الثقافي بكل المضامين التي يمكن فهمها من هذا المصطلح هو واقع اجتماعي ، لكنه يجب أن يعاش داخل الوحدة الثقافية الوطنية ، ويجب أن تكون الجامعة المغربية مختبرا إنتاج كل القيم المرتبطة بهذا المفهوم من أجل بناء مجتمع متحضر.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: