صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

الخريطة الإدراكية لـ “فصيل البرنامج المرحلي”..مقال جديد ضمن سلسلة مقالات حول الحركة الطلابية المغربية

أحمد الحارثي – الرئيس السابق لمنظمة التجديد الطلابي

مصطفى العلوي – نائب رئيس منظمة التجديد الطلابي

 

تسود فكرة مفادها أن الإنسان هو تعبير دقيق عن موقفه الذي يعتبر انعكاسا مباشرا لوضعه الطبقي أو لبيئته أو ظروفه. وهي فكرة تنبني على تصور “العقل السلبي” أو “الموضوعية الفوتوغرافية” أو “الموضوعية المتلقية” التي يتلقى فيها العقل الواقع كما هو بطريقة مباشرة دون حذف أو تبديل أو زيادة، فينطبق هذا الواقع على تصور العقل، ليصبح العقل انعكاسا له.

هذه الفكرة السائدة؛ ينتقدها الدكتور عبد الوهاب المسيري لأنها لا تقع إلا نادرا، فالإنسان لا يدرك واقعه بشكل حسي مباشر وسلوكه ليس مجرد أفعال وردود أفعال مشروطة، وإنما يدرك الواقع من خلال مجموعة من المقولات والصور القبلية التي تضيف إلى الواقع وتنقص حسب هذه المقولات.

من هنا سيبتكر المسيري مفهوم الخريطة الإدراكية لفهم كيفية تمثل بعض المجموعات البشرية للواقع. والخريطة الإدراكية هي »مجموع المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها الإنسان نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء. هذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع. ووظيفة هذه الخريطة الإدراكية تتجلى في جعل صاحبها يرى ما هو مركزي في عقله ويغفل عما هو هامشي في عقله ووجدانه. وهي في غالب الأحيان تكون غير واعية، يحملها الإنسان ويرى أنها أكثر الأشياء منطقية وطبيعية (مثلا: الإنسان العنصري لا يَرى إلا مساوئ الآخر وفضائل قومه)  .[1]«

وعلى هذا الأساس يتحدد هدفنا في هذا المقال في الوقوف على معالم الخريطة الإدراكية لفصيل البرنامج المرحلي:

أولا-  موقف فصيل البرنامج المرحلي من ذاته

ينظر فصيل البرنامج المرحلي لذاته بكثير من النرجسية والاختزالية والتمركز حول الذات، فهو يعتبر نفسه ممثل “النقاء الأيديولوجي للماركسية اللينينية المغربية”؛ إذ »لا يسمح ولن يسمح بالمزج بين المتبرجزين والعناصر التي تريد فقط حب الظهور« [2] داخل تنظيمه، ولأن مصير وجوده مرتبط بوصية الرفيق لينين: »إنَّ مهمتنا هي أن نحافظ على صلابة ونقاوة حزبنا«[3]، فهذا النقاء الإيديولوجي هو الذي سيقي البرنامج المرحلي من مظاهر “التحريفية” والتبديل سواء الإمبريالية أو المتبرجزة أو الإصلاحية التي سقط فيها الأغيار، والتمسك »بتعاليم النظرية الماركسية اللينينية العلمية [4]«وهو العاصم (النقاء الإيديولوجي) من خطايا الانحراف عن المرجعية الأصلية.

ويصل فصيل البرنامج المرحلي إلى اختزالية منقطعة النظير يعتبر فيها نفسه هو “الطلبة القاعديين” ويلغي “القاعدية” عن “التحريفيين”، ثم تتوالى الاختزالية إلى حلول المنظمة الطلابية أوطم في البرنامج المرحلي، فيصبح “البرامجي” هو “الأوطامي” »فالقاعديون ليسوا أوراقا، بل هم فصيل طَرح برنامجا للحركة الطلابية،  أما الأوراق المذكورة وغيرها فهي تعيد النظر في البرنامج المرحلي ومنطلقات القاعديين«[5]، إلى أن تصل المتتالية الاختزالية إلى حلول الطلبة في البرنامج المرحلي، لأنَّ برنامجه هو برنامج الحركة الطلابية برمتها، وفقط.

إنَّ البرنامج المرحلي -حسب المنتسبين إليه- هو إفراز المدارسة “العلمية” للأزمة الطلابية، ونتيجة لمبادئ ومقدمات النظرية الماركسية اللينينية الصارمة التي لا دخل للذات فيها، واستجابة لوصايا الرفيق ماوتسي تونغ: »لا يجوز لنا أنْ نعتمد على التحليلات الذاتية والحماس المؤقت والكتب الجامدة، بل علينا أن نعتمد على الوقائع الموضوعية ونستحوذ على المعطيات بصورة تفصيلية ونستخلص منها النتائج الصحيحة مسترشدين بالمبادئ العامة للماركسية اللينينية«[6].

كما يعتبر أعضاء فصيل البرنامج المرحلي بأنَّ فصيلهم يحمل أعباء تاريخية لا يوجد غيره يستطيع القيام بها:

  • أعباء إستراتيجية، الهدف النهائي منها هو »المراكمة والمساهمة في بناء الحزب الثوري الماركسي اللينيني للاستيلاء على السلطة، وهذه المهمة التاريخية لا يمكن أن تقوم بها الحركة الطلابية لوحدها، بل هي مهمة تاريخية عظيمة للطبقة العاملة وحلفائها الموضوعيين .«
  • أما العبء المرحلي فهو »دور القيادة السياسية للحركة الطلابية وتعزيز وحدة الجماهير الطلابية«.

وبطبيعة الحال، فهذه الأعباء التاريخية ستجعل من عضو البرنامج المرحلي البطل الذي لا يقهر، فهو »مناضل أممي ينصر كافة الشعوب في العالم ويساهم في التعريف بالقضايا الأممية ونضالات الشعوب وعلى رأسهم الشعب المغربي«  .[7]كما أنَّه »لا يكون إلا في المكان الأصعب«[8] فـــ »المجد والخلود للصخرة التي تكسَّرت عليها كل رهانات النِّظام« [9].

وإذا شئنا تلخيص العناصر المذكورة فيمكن لنا ذكرها كالآتي:

  • المنطلق النضالي للبرنامج المرحلي هو النظرية الماركسية اللينينية العلمية الموضوعية الحتمية المطلقة.
  • البرنامج المرحلي هو ممثل النقاء الإيديولوجي للماركسية اللينينية المغربية ضد “التحريفية”.
  • البرنامج المرحلي هو القائد لتأسيس الحزب الثوري والمخلِّص للحركة الطلابية المغربية من أزمتها.
  • قيام النهج الديمقراطي القاعدي/البرنامج المرحلي بالأعباء التاريخية جعلته البطل الذي لا يقهر.

ثانيا-  الأغيار في الخريطة الإدراكية لفصيل البرنامج المرحلي

  1. النظام

يشكل “النظام الحاكم” محور الخطاب “البرنامجي”، فلا نكاد نجد وثيقة أو بيانا أو كلمة خطابية إلا وتُذَكِّر بالعَدو/النظام، وهذا اتساقا مع التشديد على طابعه “اللاوطني اللاديقراطي اللاشعبي”. فقد كان هذا المعطى من بين أهم القواعد التي اجتمع عليها الطلبة القاعديون أول مرة[10]، ولذلك »فعلى الجماهير أن تضطلع بمهمة إسقاطه تحت قيادة الحزب الثوري الموعود«.

فأعضاء البرنامج المرحلي لهم اعتقاد جازم بأن »النظام يسعى حثيثا إلى تصفية القاعديين/البرنامج المرحلي والقضاء عليهم كما فعل مع الحركة الماركسية اللينينية في الشارع، لأنّ نضالات القاعديين تشوش عليه وتقوض تطبيقه للسياسات الليبرالية اللاديقراطية اللاشعبية التي لا تصب في صالح الشعب المغربي. لكن عجزه عن تحقيق هذا المسعى يدفعه إلى استخدام آليات خسيسة، من خلال توكيله أطرافا أخرى لتعويض عجزه داخل الجامعة (الإسلاميين “الخوانجية”، الحركة الثقافية الأمازيغية “الشوفينيين”..)، من الوسائل اليائسة التي يقوم بها النظام لضرب الحق المقدس في التعليم لأبناء الشعب وخوصصة هذا القطاع«[11].

كما »يسخر النظام آلاته القمعية التي تستعمل العنف الرجعي ضد القاعديين، والذي تتمّ مواجهته بعنف ثوري مضاد دفاعا عن النّفس«[12]، وهو ما »لا يمكن أن نعتبره رغبة ذاتية بقدر ما أنه معطى موضوعي تفرضه ضرورات الواقع[13] «يقول أحد أعضاء البرنامج المرحلي.

ويظهر -حسب أعضاء البرنامج المرحلي- على ضوء هذا التقاطب بينهم وبين النظام، أنّ كل طرف يضع مسألة استئصال الطرف الآخر والقضاء عليه نهائيا أولوية كبرى لا يمكن تجاوزها لتحقيق باقي غاياته.

  1. اليساريون

جميع الفصائل -حسب فصيل البرنامج المرحلي- إنما هي نتائج موضوعية للصراع السياسي الدائر بالمغرب، وكل فصيل يستثمر في الدفاع عن مصالح الحزب الذي يتبعه، وبما أن الأحزاب تابعة للنظام، ففصائلها ممثلته داخل الجامعة.

إن الفصائل اليسارية الإصلاحية و”التحريفية”، “خانت المبدأ”، ولذلك فهي ضعيفة لا امتداد جماهيري لها، وإن حاولت الظهور فإن مهمة “البرامجي” محاربتها، لأنّ في محاربتها محاربة النظام.

  1. الإسلاميون

موقع الفصائل الإسلامية في الخريطة الإدراكية لفصيل البرنامج المرحلي هو »موقع “الحظر الظّلامي”، الذي يجب تخليص الحركة الطلابية وإطارها أوطم منه، عن طريق مقاطعته وفضحه سياسيا ومواجهته عسكريا، ذلك أنّه يمثل إحدى “شبيحات” النظام و”تقيحاته وتجلياته داخل الجامعة”، أوكلت له مهمة تفريق الطلبة والقضاء على نضالات القاعديين. فالقوى الظلامية بعد أن تبين للكل دورها الجوهري كشُرطي الجامعة بعد اغتيال “المعطي بوملي” بوجدة سنة 1991 وأيت الجيد بن عيسى بفاس سنة 1993، لم يكن من بد للقاعديين والحركة الطلابية إلا رفع شعار “لا بديل عن مواجهة القوى الظّلامية«[14].

  1. فصيل طلبة الوحدة والتواصل/منظمة التجديد الطلابي

فصيل طلبة الوحدة والتواصل ومنظمة التجديد الطلابي في الخريطة الإدراكية للبرنامج المرحلي إنما »هو فصيل “الحزب الحاكم” (العدالة والتنمية) يدافع عن مصالحه وعن مصالح النظام القائم، على حساب مصالح الجماهير الطلابية، يستغل الدين لتحقيق مآربه السياسية، ولذلك لا يتوانى البرنامج المرحلي في وصفهم بــ “البوْلسة، النذالة والتعمية، الوحدة ونص، الظلام، الخوانجية، حفدة المعز… «[15] .

  1. الحركة الثقافية الأمازيغية

»حركة شوفينية تستغل الأمازيغ ولغتهم، وتريد أن تغطّي على الصراع الطبقي بالصراع الإثني«[16] .

ثالثا- العنف في الخريطة الإدراكية لفصل البرنامج المرحلي

يتخذ البرنامج المرحلي من “العنف الثوري” مرجعية له في مواجهة مختلف القوى المناقضة لمشروعه الثوري، وهي مرجعية تنهل من “علمية التحليل  الماركسي”، حسب زعم هذا الفصيل.

إن العنف هنا هو معطى موضوعي لا دخل للرفيق “البرامجي” فيه، »فالجامعة أصلا هي حقل من حقول الصراع الطبقي في المغرب، تمارس فيها كافة أنواع وأشكال الصراع بين أبناء الجماهير الشعبية الساعية إلى الدفاع عن مجانية التعليم، ووحدة الحركة الطلابية من جهة، ومن جهة ثانية بين النظام القائم الذي يهاجم الحركة الطلابية، سواء عبر الأجهزة القمعية أو عبر تسخيره للقوى الظلامية الرجعية والقوى الشوفينية الرجعية التي تعد وجوها لعملة واحدة. وبالتالي فإنّ سقوط أحد الضحايا من “عملاء النظام” ولو كان السبب المباشر لسقوطه هو البرنامج المرحلي، فإن الذي يتحمل المسؤولية هو النظام الذي زج به في هذا التناحر الطبقي الذي لا دخل “للبرامجي” فيه«[17] .

والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها هنا هي أن علاقة البرنامج المرحلي مع الأغيار علاقة اختزالية أحادية، حيث تجتمع كل الأوصاف المختلفة، لهؤلاء الأغيار، في بؤرة واحدة تشكل نقيض البرنامج المرحلي، وهي “النظام القائم” الذي يعود إليه الأمر والنهي في تشكيل باقي الأغيار.

هنا يتوقف الكون كله في الخريطة الإدراكية لفصيل البرنامج المرحلي على مجموعة من الثنائيات الصلبة:

فصيل البرنامج المرحلي

الأغيار

البرنامج المرحلي

النظام القائم

التقدمية

الرجعية

العلمية

الخرافة

النور

الظلامية

الاستقلالية

الوظيفية

صلابة البرامجي

بطش النظام

العنف الثوري

العنف الرجعي

الثورة

الإصلاحية

النقاوة

التحريفية

الجماهير الطلابية

 

الآلة القمعية

إلخ…

 

إلى غيرها من “التناقضات الموضوعية” التي على البرنامج المرحلي فكها، ويا لها من مهمة لا يقوم بها إلا “البرامجي” والبرامجي فقط !!!

إن ما يجعل “البرامجي” يُبلي البلاء الحسن في حركيته داخل الحرم الجامعي هو حمولة خريطته الإدراكية التي تقدمه كرائد للتنوير والتوعية وكائن متفوق على غيره،  ومحارب شرس ضد الرجعية، ومخلص من همجية القمع، ومنقذ من “التحريفية”، وضامن لاستمرار الثورة، إنها أدوار مقدسة تقتضي القيام بكل شيء من أجل إنجازها !!!

 

الهوامش:

[1]  عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية، دار الشروق، الطبعة الرابعة، 2009، ص 349-357 (بتصرف).

[2] دهكون المغربي، مساهمة أولية ومبسطة حول النهج الديمقراطي القاعدي، منشور بموقع الحوار المتمدن، العدد 2683، بتاريخ 20-06-2009، على الرابط التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=175599

[3] نفس المرجع.

[4]  نفس المرجع

[5] مقابلة مع “ماركسيست” عضو فصيل البرنامج المرحلي.

 [6] دهكون المغربي، مساهمة أولية ومبسطة حول النهج الديمقراطي القاعدي، مرجع سابق.

[7] نفس المرجع.

[8] مقابلة مع “ماركسيست” عضو فصيل البرنامج المرحلي.

[9] مقابلة مع “عادل كريستيانو” عضو فصيل البرنامج المرحلي.

[10] محمد ضريف، الحركة الطلابية المغربية: قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956- 1996، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى، 1996، ص 132.

[11] مقابلة مع “عادل كريستيانو” عضو فصيل البرنامج المرحلي.

[12] مقابلة مع “ماركسيست” عضو فصيل البرنامج المرحلي.

[13] مقابلة مع “عبد الله” عضو فصيل البرنامج المرحلي.

[14]  مقابلات مع “ماركسيست” و “عادل كريستيانو” أعضاء فصيل البرنامج المرحلي.

[15] دهكون المغربي، مساهمة أولية ومبسطة حول النهج الديمقراطي القاعدي، مرجع سابق. ومقابلات مع  “ماركسيست” و”عبد الله” و”عادل كريستيانو” أعضاء فصيل البرنامج المرحلي.

[16] نفس المرجع.

[17] نفس المرجع.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: