صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

الدخول الجامعي الجديد…الغائب في خطاب الإصلاح

ارتبطت الجامعة المغربية على امتداد السنوات الأخيرة بخطاب تشاؤمي يروَّج على امتداد فضاءات الساحة الجامعية، حيث ينتج لنا صنفين من الطلبة؛ الأول تتشكل لديه قناعة أن الجامعة مجرد ملجأ للتلاميذ الذين لا يحصلون على الميزة التي تمكنهم من الولوج إلى المعاهد والمدارس العليا (وهو الصنف الغالب). أما الثاني هو مجموعة من الطلبة اختاروا الجامعة عن قناعة لا دخل للميزة فيها (وهو الصنف القليل)، ولكن رغم ذلك فإن هذا الأخير لا يرقى لأن يكون طالبا واعيا بأدواره التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي كان يقوم بها الطالب المغربي إلى عهد قريب. وبهذا، في أحسن الظروف نكون أمام طلاب تقنيين متخصصين في مجالهم فقط، وفي جامعة مفرغة من التكوين الفكري والثقافي والسياسي الموازي للتكوين الأكاديمي للطالب باعتباره مشروع نخبة ومشروع كفاءة يجب أن يستثمر لصالح وطنه على كل المستويات (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية…).

نثير هذا النقاش في بداية موسم جامعي جديد 2024\2023، والذي يميزه سياق الشروع في تنفيذ الإصلاح الجامعي الذي جاءت به الوزارة الوصية على القطاع، ومن الواجب علينا أن نثمن هذه الخطوة الإصلاحية التي جاءت بمجموعة من التغييرات الجديدة على المستوى البيداغوجي أهمها: التركيز على المهارات اللغوية والذاتية للطالب مع التحفظ على عدم إعطاء اللغة العربية المكانة الطبيعية التي نصت عليها مقتضيات الدستور خاصة المادة الخامسة منه، وإدراج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في المقررات الدراسية… بغض النظر عن إمكانية إنجاح هذا الورش وتنزيل مضامينه شكلا ومضمونا. لابد أن نركز على إشكاليات لا تقل أهمية عن الإشكاليات التي ركزت عليها الوزارة، فالطالب المغربي اليوم بحاجة للتأطير حول مجموعة من القضايا الشائكة والمهمة للدولة المغربية، باعتباره مواطنا مغربيا سيخرج بعد مدة ليست بالطويلة من المرحلة الجامعية إلى مرحلة أخرى سيعمر فيها طويلا.

وعلى العموم، يمكن إبراز أهم هذه الإشكالات والقضايا على الشكل التالي:

دور الطالب في الدفاع عن القضية الوطنية (أولا)، القيم داخل الجامعة المغربية (ثانيا)، الأسرة في ذهن الطالب المغربي (ثالثا).

  • دور الطالب في الدفاع عن القضية الوطنية:

قد يقول قائل إن الدفاع عن القضية الوطنية أمر أكبر من أن توليه للطالب لاعتبارات عدة (السن، الوعي، المسؤولية…)، لكن إذا عدنا لدروس التاريخ سنجد من الأحداث والوقائع ما يفند كل هذه الآراء، وأبرزها: تجند الطالب المغربي لمقاومة المستعمر بكل الوسائل المتاحة آنذاك ومساهمته القوية في تحرير الوطن من قبضة الاحتلال، وكذلك الدور الذي لعبته الحركة الطلابية بصفة عامة في بناء الدولة ومؤسساتها بعد الاستقلال استكمالا لمسار التحرر المنشود، ثم بعد ذلك كان للطالب المغربي دور ليس بالهين في صناعة المشهد السياسي بالمغرب من خلال الدينامية التي كانت تنبع من عمق فضاءات الجامعة (الحرم الجامعي) لتجد صداها في المجتمع. من خلال استحضار كل هذه المحطات التاريخية يمكن القول أن الدفاع عن القضية الوطنية اليوم يجب أن يكون من صلب اهتمامات الطالب المغربي، رغم أن الدولة لها من الوسائل الكافية التي تجعلها عنصرا رئيسيا في الدفاع عن القضية، لكن لا يمكن أن يكون دفاعا صلبا وقويا إلا بمساهمة كل المكونات السياسية والتي يعتبر الطالب جزء منها، وذلك من خلال تأطيره وتكوينه على ثلاث مستويات رئيسية: أولا، إلمامه بالسياق التاريخي لكل ملف متعلق بالقضية الوطنية بداية باستكمال الوحدة الترابية كتاريخ النزاع حول ملف الصحراء المغربية، ومعرفة الموقع التاريخي للدولة المغربية في المجتمع الدولي… ثانيا، اعتماد مناهج دراسية ومقررات تعليمية تنتج لنا طلاب متفوقين في تخصصهم ومتشبعين بروح الوطنية والدفاع عن وطنهم كلٌ من منصبه وموقعه المهني، بحيث لا حاجة لنا لتكوين وتخريج (أطر في مختلف المجالات) ناجحة دون أن تكون واعية بالدور المطلوب منها تجاه وطنها. ثالثا، بعد التكوين النظري ننتقل إلى الممارسة العملية التي تحتاج لمجموعة من الأدوات والمهارات التي تمكنه من الترافع والدفاع عن القضية الوطنية (كتابة العرائض، المذكرات المطلبية، أساليب الخطابة…).

  • القيم داخل الجامعة المغربية:

انطلاقا من تأكيد “المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي”، “ميثاق التربية والتكوين (2009ـ1999)” و”الرؤية الاستراتيجية (2030ـ 2015)” على ضرورة إعطاء مكانة رئيسية للتربية على القيم في المناهج الدراسية بالنسبة للجامعة والمدرسة المغربية، ونتحدث هنا عن المناهج بدل المقررات والمواد والمحتويات الدراسية باعتبار أن المناهج الدراسية لها بعد استراتيجي تتناول السياسة التعليمية بشكل عام. عموما، هناك مبادرات جدية من المؤسسات الرسمية لسن قوانين ووضع برامج؛ موضوعها الأساس الحفاظ على القيم داخل الجامعة والمدرسة. لكن إذا قمنا بتشخيص بسيط لواقع الجامعة اليوم، نجد أن كل هذه المبادرات لم تجد صداها في صفوف الطلبة ولم تنعكس في سلوكياتهم، هل الخلل في المناهج الدراسية؟ أم في الطريقة التي تنزل بها هذه البرامج والمبادرات؟ أم أن الخلل متعلق بسياسات دولية رامية إلى طمس القيم في المجتمعات بصفة عامة؟

إن واقع القيم في الجامعة المغربية في تراجع كبير، يتمثل في: أولا، تزايد حالات الغش في صفوف الطلبة بمختلف المسالك (إجازة، ماستر، دكتوراه)، ثانيا، استمرار اعتماد أساليب غير مشروعة في الولوج الى مسالك الماستر والدكتوراه والذي يزيد من نسب عدم تكافؤ الفرص بين الطلبة، ثالثا، استمرار بعض الممارسات اللاأخلاقية والتي تضرب في العمق القيمي للجامعة من قبيل (الجنس مقابل النقط) …، هي لائحة ليست بالقصيرة تعكس لنا مدى فشلنا في تأطير الطلبة وباقي المكونات في الجامعة على المستوى القيمي. وأخيرا لا يمكننا أن نعتبر تخريج كفاءات علمية متخصصة من الجامعة المغربية دون تطوير مقاربة ناجعة لموضوع القيم، أمرا مفيدا للوطن.

  • مؤسسة الأسرة في ذهن الطالب المغربي:

وفي نفس السياق ننتقل إلى تمثل الأسرة في ذهن الطالب المغربي، الأخيرة في هذا المقال وليست الأخيرة في الإشكاليات التي تعاني منها الجامعة المغربية، إذ تتعرض مؤسسة الأسرة اليوم إلى هجوم غير مسبوق من طرف مجموعة من الأنظمة العالمية المؤثرة في صناعة القرار، ولا يمكن للدولة المغربية أن تحمي هذه المؤسسة إلا بإدراك عمق أزمتها لوضع مقاربة محكمة لتأطير التلميذ والطالب، ترتكز على ثلاث مستويات رئيسية: أولها، إعادة تشكيل تمثل الأسرة في ذهن الطالب، حيث أن الكثير من الطلبة اليوم يعتقدون أن الأسرة هي فقط تقييد لهم على تحقيق الكثير من الأهداف في حياتهم والتي تتطلب هامشا من الحرية الغير متوفرة داخل نطاق الأسرة، وأن إقبال الطالب بعد تخرجه على تشكيل أسرة مسلمة ومغربية تنتج لنا اللبنة الأساس لبناء المواطن، ما هو إلا ثقل وهمّ غير مطالب به بدرجة أولى. ثانيا ربط تشكيل تمثل الأسرة لدى الطالب بمعيار الدين، وذلك نظرا للحملات المستمرة المتعلقة بالعلاقات الرضائية والمثلية الجنسية…، والتي أثرت بشكل كبير في صفوف الطلبة حيث لا يمكن لنا أن نقاومها إلا بالعودة لأحكام وتوجيهات الشريعة الإسلامية. ثالثا إعادة النظر في الطريقة التي تدرس بها مدونة الأسرة في الجامعة المغربية باعتبارها وحدة حية لا يمكن تفريغها من أبعادها الاجتماعية والسياسية وجعلها وحدة تقنية تطبيقية محضة.

على سبيل الختم، بعد عشر سنوات من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وثلاث سنوات من البرنامج الاستعجالي(2013ـ2009)، ثم إصدار الرؤية الاستراتيجية، وبعد تقرير النموذج التنموي الذي وضع التعليم أولوية (ماي2021)، ثم حكومة 8 شتنبر 2021 التي رفعت شعار جودة التعليم…

ما يعني أن أكثر من عشرين سنة من البرامج الإصلاحية، ورغم ذلك لم نوفق في إخراج الجامعة من أزماتها المتراكمة موسما بعد موسم. هذا الذي يدعونا إلى القول إن أزمتنا ليست أزمة بنيات تحتية فالمركبات الجامعية في تطور وتقدم ملحوظ، وليست في الطالب نفسه فهذا الأخير على استعداد تام لتأطيره بمختلف الوسائل، لكن أزمتنا اليوم تنبع من سياق اجتماعي مأزوم أطرافه سياسة عمومية غير مدركة لعمق الأزمة، ينتج عنه استمرار إنتاج أعطاب الجامعة من طرف إدارتها، ومجتمع لا يبدي استعدادا كافيا وحقيقيا للاستثمار في رأسماله الرمزي والتضحية من أجله، وهو ما ينتج طالبا غايته الكبرى من ولوج الجامعة هو تحسين وضعيته المادية فضلا عن فئة الطلبة التي ترى في الجامعة فضاء لتزجية الوقت، وهو ما يؤكد لنا بقاء الأزمة واستمرارها داخل الجامعة المغربية.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: