صوت الجامعة المغربية

العلوي يكتبُ: “في بلادي ظلموني”.. صرخة أسف على موت الشغف

لا شئ في “مغرب 2018” يبدو أكثر تأثيرا نحو الأفضل من حملة المقاطعة الشعبية لثلاث منتجات استهلاكية تعود ملكيتها لأباطرة مال مغاربة وفرنسيين، سوى أغنية عنوانها “في بلادي ظلموني” لجماهير فريق الرجاء البيضاوي المغربي، تُذكر بإبداعات ألتراس نادي الأهلي المصري وناديي الترجي والإفريقي التونسيين في مواجهة السلطوية العربية إبان ثورات الربيع الديمقراطي.

فمن رحم سياق سياسي واجتماعي، واحد، عنوانه الأساس؛ انسداد الأفق التغييري عبر البنيات المؤسساتية التقليدية (أحزاب سياسية، مؤسسات رسمية، نقابات..) وفقدان الثقة فيها، وُلدت حملة المقاطعة الشعبية وأغنية جماهير الرجاء رغم اختلاف وسائل وطرائق التعبير بينهما.

تقول الأغنية التي تجاوز صداها المغرب إلى التأثير في الشباب المحبط بكافة أرجاء الوطن العربي:

في بلادي ظلموني.. لمن نشكي حالي.. الشكوى للرب العالي.. غير هو لي داري/ هو وحده الذي يعلم

في هاد البلاد عايشين في غمامة/ في هذه البلاد نعيش في غمامة .. طالبين السلامة/ نطلب السلامة.. انصرنا يا مولانا

صرفوا علينا حشيش في كتامة/ وزعوا علينا حشيش في “كتامة” (منطقة مشهورة بإنتاج المخدرات شمال المغرب).. خلاونا كي اليتامى/ تركونا مثل اليتامى.. نتحاسبوا في القيامة/ سنحاسبهم يوم القيامة

مواهب ضيعتوها.. بالدوخة هرستوها/ بالمخدرات كسرتموها.. كيف بغيتو تشوفوها/ كيف تريدون أن ترونها…

قبل أكثر من سنتين، عرف المغرب على خلفية وفاة بائع السمك محسن فكري مطحونا داخل شاحنة أزبال خلال مقاومته عملية إتلاف السلطات لسلعته المُصادرة، -عرف- تناميا لحركات احتجاجية مطالبة بتحسين الواقع المعيشي للمواطنين، عمت في البدء حواضر وبوادي منطقة الريف التي ينتسب إليها فكري، لتمتد بعد ذلك إلى مدن زاكورة وجرادة وعين تاوجدات. وهي الاحتجاجات التي قابلتها الدولة بقمع عنيف واعتقال لعدد من النشطاء والصحفيين.

ولكَوْن فاتورة التعبير عن الحنق من سياسات الدولة والاحتجاج عليها -ولو سلميا- أصبحت غالية لهذه الدرجة، فقد أسست جماهير الرجاء البيضاوي لنفسها فضاء لا تشمله الإجراءات التقييدية للسلطة. فالملاعب غدت مكانا مُفضلا للخطب السياسية الجماعية الموجهة ضد المسؤولين، حيث “في بلادي ظلموني” و”جاي نكلاشي الحكومة” (أغنية لجماهير فريق الوداد البيضاوي غريم الرجاء) وسيلة لبلورة شكل من أشكال المعارضة السياسية العصية عن التطويع والاحتواء بالأدوات الكلاسيكية التي درجت الدولة على استعمالها في ترويض الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية والنقابات والإتيان بها إلى بيت الولاء والطاعة. ففي الملاعب، حيث الجميع سواسية وفي غنى عن وسطاء لإبداء آرائهم والتعبير عن امتعاضهم من سياسة تدبير الشأن العام برمتها، لا وجود لمفاوضات ولا مطالب واضحة، غير المطالبة بثورة شاملة لإسقاط الفساد ورفع الظلم، أي تغيير الوضع القائم جذريا، هنا والآن.

هكذا فهذه الأشكال التعبيرية المتفلتة بطبيعتها من رقابة السلطة وأدواتها الضبطية، ليست وليدة الصدفة. وإنما نتيجة تراكم أحاسيس عميقة بانعدام الثقة في المؤسسات وفقدان الأمل في المستقبل وموت الشغف بالحياة، تنامت في السنوات الأخيرة، على إثر الاعتقالات المادية والاغتيالات المعنوية لأبرز رموز التغيير المؤسساتي في ميادين الصحافة والسياسة وساحات الاحتجاج السلمي، فضلا عن كونها تمثل تدبيرا جماهيريا ذكيا لمعادلة معقدة تتوخى المزاوجة بين الضغط على مركز القرار ودفعه بقوة إلى إنجاز التغييرات الشاملة المطلوبة، وعدم التعرض للمُخاطرة أو أداء الثمن اعتقالا أو تضييقا أو ما شابه.

إن أغنية “في بلادي ظلموني” تعبير شبابي مغربي خالص عن وعي جمعي بحدة أزمات غلاء المعيشة واستفحال البطالة وعجز السياسات الحكومية عن مواكبة تنامي الحاجيات الاجتماعية للمواطنين وأشواقهم للحرية والديمقراطية، وهي أيضا وحدة شعور بالأسى على ضياع أجيال لم تحظى بفرصة صقل مواهبها الكامنة كما يجب وحيث يجب، عبر مؤسسات للتنشئة السياسية والاجتماعية والثقافية.

إن هذه الأغنية صرخة ثورية وموعظة سياسية في الآن ذاته، كلماتها الغاضبة وعبرها المفيدة في الأهمية سواء. هي بحق، درس بليغ في أهمية الثقة والحرية والأمل والشغف كبُنى تحتية صلبة وأساسية للإصلاح المطلوب على عجل، وجواب عملي على استحالة إبرام صفقة سلطوية في المدى المنظور بين المغاربة وحاكميهم، يقبل على ضوئها الناس بالاستبداد وعدم الخوض في السياسة في مقابل استقرار سياسي واجتماعي، صوري ومأزوم.

لقد اشتهرت جماهير الرجاء قبل إنتاج “في بلادي ظلموني” بأغنية أخرى تقول “ملكنا واحد محمد السادس.. والباقي شفارا/ والباقي لصوص..”، عبرت من خلالها في سنوات مضت عن انعدام ثقتها في جميع المؤسسات، ما عدا الملك (المؤسسة الملكية). غير أن هذه الأغنية أصبحت اليوم من الماضي متوارية إلى الخلف تحت ثقل اغتيال الشغف وموت الأمل، فكأن الجماهير بقولها العام والمجرد في الأغنية الجديدة “في بلادي ظلموني.. فلوس البلاد كاع كليتوها/ أكلتم أموال البلاد.. للبراني عطيتوها/ وأعطيتموها للأجنبي..”؛ قد قرأت السلام على إمكانيات التغيير، ساحبة ثقتها من المؤسسات، كل المؤسسات، متوجهة بدل ذلك إلى الله شاكية له الظالمين، وراجية منه التواب والمغفرة للمظلومين المذنبين جبرا تحت وطأة الظلم والقهر. يقول آخر مقطع من الأغنية “التوبة للرب العالي.. تب علينا يا ربي…”.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: