صوت الجامعة المغربية

بحث تاريخي حول “أصول النضال في تاريخ الحركة الطلابيّة المغربيّة” بقلم أحمد الحبشي

أحمد الحبشي-عضو منظمة التجديد الطلابي فرع تطوان

تقديم:

يعدّ تاريخ الحركة الطلابية في المغرب من المواضيع المطروحة من ناحية الإثبات والتوثيق التاريخي، سواء تلك التي شملت نضالات الطلاب المغاربة إبان فترة الإستعمار الفرنسي-الإسباني مابين 1912 و1956م ودورهم البارز في الحركة الوطنية المغربية، أو التي تبدأ مع تأسيس الإتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1956م، وبشكل ما يستبعد من هذه الأبحاث النضالات الطلابية التي عرفها المغرب قبل دخول الاستعمار، لاعتبارات عدة، أهمها كون التعليم قبل هذا العهد كان تعليماً تقليدانياً تختلف عناصره ومؤسساته بشكل جدري عن التعليم بمفهومه الحديث، ونتناسى أن عنصر الطلبة في هذا التعليم -وإن كان تقليدانياً- كانت له تطلعاته ومطالبه ووسائله في النضال.

ويأتي هذا البحث المتواضع بُغية لفت انتباه الباحثين والمهتمين بهذا الموضوع وتقديم صورة تقريبية لأشكال النضال بصورته الأصيلة-العتيقة باستثمار شهادة تاريخية لمعركة طلابية خلال القرن 18م/13ه، وذلك باعتماد منهجية التاريخ الجزئي (Microhistory) التي تعالج ظاهرة أو موضوع تاريخي من خلال حدث صغير يمثّل نموذج متكامل لظاهرة معيّنة.

وتعدّ هذه المعركة الطلابيّة التي تم انتقاؤها هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب، أو كما عنون المؤرخ عبد الهادي التازي هذا الحدث في كتابه جامع القرويين ب”أول إضراب للطلبة بالقرويين” حيث يقول:

“وإذا كانت المدرسة المستنصرية في بغداد عرفت حركات الإضراب منذ سنة 683ه، فإن الهدوء والإطمئنان ظل يهيمن على أوساط الطلاب بمدينة فاس إلى مطلع سنة 1212ه عندما صدر الأمر بهدم أربعة عشر حجرة من المدرسة المصباحية في غيبة عن الشيخ التاودي ابن سودة، الأمر الذي عمّم الاستياء في أوساط الطلبة الآفاقيين وتطوّرت المشكلة إلى تدخل الفقيه السفير ابن عثمان”[1].

أسباب المعركة الطلابية:

قبيل شروق شمس يوم الخميس 9 صفر عام 1212ه أمر السلطان أبي الربيع المولى سليمان[2] بهدم 14 غرفة من المدرسة المصباحية[3]، ويروي هذا الحدث بالتفصيل أحد الشهود المعاصرين له وهو محمد بن عبد الضعيف (1775م-1818ه) وهو مصدرنا الأساس قائلا:

“وقبل خروج السلطان من فاس خرج هدم الفوقي من مدرسة سيدي مصباح وذلك صبيحة يوم الخميس 9 صفر عام 1212 وأمر بهدم 14 بيتا منها قبل طلوع الشمس فهدمت البيوت على الطلبة والبعض منهم نائما وفسد لهم الطعام والزيت والسمن والادام وكانت عليهم حسرة كبيرة، فاغتاظ جميع الطلبة لذلك واجتمعوا من كل مدرسة نحو 300 أو أزيد وأرادوا الطلوع إلى السلطان بفاس الجديد”[4].

ويشير المصدر إلى معلومة غاية في الأهمية ستساعدنا لمعرفة سبب هدم السلطان بعض الغرف من المدرسة المصباحية، وهي أن “البلديين من أهل فاس سروّا بذلك [أي بعملية الهدم] وكان السلطان يساعدهم ويوافقهم في الأمور ويحبهم محبة كبيرة ويفضلهم على غيرهم من أهل فاس”[5] والبلديين هؤلاء هم مجموعة من اليهود قدموا من الأندلس وأعلنوا إسلامهم وأقاموا في حي خاص بهم غرب جامع القرويين، ويُستشّف من هذا أن البدليين كانت لهم مصلحة ما في هدم هذا الجزء من المدرسة المصباحية، خصوصاً وأن المدرسة تقع في محيط جامع القرويين أي بالقرب من مساكنهم.

صورة للمدرسة المصباحية سنة 2016 بعد ترميمها

أطوار الحدث:

بعدما اجتمع قُرابة 300 طالب قرّروا فيما بينهم اتخاذ أولى الخطوات الاحتجاجية “طلع جميع الطلبة لأهل فاس الجديد وهم الأودابا ففرحوا بالطلبة غاية وسبّوا أهل فاس البالي على ما فعلوا من العار في الطلبة وسبّوا الفقهاء على عدم التعرّض (…) وفي المغرب قرأ الحزب بجامع السلطان حتى سمع السلطان قراءة حزبهم من شدة كثرة الطلبة، فقال السلطان ما هذا، فقالوا له إن الطلبة المهاجرين على قراءة العلم يشتكوا على بيوتهم فسكت، ثم إن الودايا صنعوا لهم طعاما منتخبا للطلبة وبروا بهم (…) في تلك الليلة بات جميع الطلبة يتلون القرآن وفرقوا الأحزاب على بعضهم بعضا وخرّجوا نحو 11 سلكة”[6].

ويظهر من خلال ما جرى أن الجهات المسؤولة -المتمثّلة في رأس السلطة- كانت لاتزال متماطلة في فتح حوار مع الطلبة، مما حذا المحتجين إلى مواصلة احتجاجهم، “وفي يوم الجمعة 10 صفر دخل جميع الطلبة للجامع وأخذوا في تلاوة القرآن به حتى أذن المؤذن وطلع الخطيب وخطب وصلى السلطان، وعند فراغه من السلام نطق جميع الطلبة بلسان واحد يشتكون على السلطان وطلبوا معه الشرع فلم يجب حتى ارتحل الجامع من شدة أصوات الطلبة، فخرج السلطان من حينه غاضبا على أحمد اليموري* وقال له أنت سبب هذا (…) وقال له سر للطلبة وقل لهم: هل أنتم كلكم متفقون في هذا الأمر وخصوصا الطلبة”[7]، وكان ردّهم “نحن كلّنا في اتفاق واحد”.

أخيراً قرّر السلطان فتح حوار مع الطلبة والإنصات إلى مطالبهم، بعد التصعيد المتمثّل في تعدد أساليب الاحتجاج الأصيلة والمتعارف عليها في تلك الفترة من التاريخ كقراءة السُلكات بشكل جماعي وبصوت مرتفع، الاعتصام في المسجد وطلب تحكيم “الشّرع”، كما كانت وحدة الصفّ سرّ قوة الطلبة، ناهيك عن التعاطف الذي لقيته قضية الطلبة من بعض فئات المجتمع (الودايا* وأهل فاس الجديد).

“فرجع [أحمد اليموري] إليهم مع ابن عصمان والبعض من خواص السلطان فأخذوا في المحاورة، ثم إن اليموري أغلظ في الكلام فأجابه بعض من الطلبة وقال له أنت لم تكن لك محبة في الطلبة الحاملين للقرآن، ولا قبيلتك آيت يمور أيضا فإني وجدت الطلبة في كل قبيلة من البربر ولم أر طالبا خرج من آيت يمور فهذا يدل على عدم إيمانهم”[8]، من الجليّ أن التفاوض مع عامل مدينة فاس كان متشنجاً ومتوتراً لأنه لم يبدي مرونة و”أغلظ في الكلام” مع الطلبة، وكان لابد من وسيط آخر مقبول عند الجهتين.

“ثم إن الفقيه السيد أحمد بن علي التنغراسي دخل على السلطان وقال له: فعلت العار في الطلبة وهدمت عليهم البيوت، ولكن أخاف عليكم منهم، فقال له السلطان: ما نفعل معهم؟ فقال: أكرمهم بصلة حسنة واصرفهم عنك بسلام، فأمر أن يخرج لهم ألف ريال كبير رومي”[9]

أخيراً تحقّقت مرامي الطلبة، وعمل السلطان بما أشار عليه هذا العالم الفاضل “فخرج إليهم التنغراسي ومكنهم من الألف ريال لتفرق عليهم فقبضوها وانصرفوا وذلك يوم الأربعاء 15 صفر، وكان السلطان وجه البعض من أصحابه على أن يطلع من كل مدرسة خمسة من الطلبة فطلعت معهم [الراوي] وقبضت حقي نحو ثلاثة ريال وانصرفت بسلام.                      وفي 13 صفر اصطلح الطلبة مع أحمد اليموري بزاوية السيد التاودي، وأمر السلطان ببناء مصرية أولاد البقال مع البيت الذي يليها، وأمر الناظر محمد بن ابراهيم أن يخلص الطلبة فيما ضاع لهم وفي ثمن البيوت من مال القرويين”.[10]

عِبَر..على سبيل الختم:

تسليط الضوء على هذا الإضراب الطلابي التاريخي الذي يختفي بين ركام أحداث القرن 18م، إغناء لذاكرة الإحتجاج بالمغرب على وجه التعميم، وتأصيل تاريخي للنضال الطلابي بالمغرب، واسترجاع انتقائي لأحداث مغرب ما قبل الإستعمار لفهم شكل العلاقة بين سلطة المخزن وفئة من المجتمع وطبيعة المعارضة أو الاعتراض السلمي على قرارات السلطة، كما يُبرز الحدث وسائل وطرق الاحتجاج السلمي في زمن طغت فيه المسارعة إلى استعمال العنف المتبادل بين الدولة والمعارضين حتى في أبسط النزاعات.

ولعلّ مسار النضال الذي سار فيه طلبة القرن الثامن عشر في هذا الحدث يُثبت تلك الروح الفتيّة والشجاعة المنضبطة لدى فئة الطلبة، حتى بلغت بهم الأنفة إلى معارضة السلطان بشخصه، ودفعته إلى مراجعة قراره، والعمل بنصيحة عالم عامل اصطفّ إلى جانب طلابه وخاطب السلطان بثبات “لقد فعلت العار في الطلبة”، وليس هذا العالم وحده من أبدى تعاطفه مع قضية الطلبة بل ذكرنا فئات أخرى كان لها موقف إيجابي من هذه القضية، مما يؤكّد أن الطلبة في الأمس كما في اليوم هم فئة لها مكانتها واحترامها المحفوظَين داخل المجتمع المغربي عبر التاريخ.

إن هذا الحدث الذي كان باكورة العمل النقابي الطلابي لابد أنه قد أحدث سلوكاً جديداً في أوساط الطلبة، وجعلهم يدركون قوة اتحادهم، ودشّن مساراً متصلاً من لحظتهم تلك إلى لحظتنا هذه، قوامه المطالبة بحقوق الطالب التي من شأنها أن تكفل له تعليماً ذا جودة في وضيعة لائقة تحفظ كرامة الطالب ومكانة العلم.

[1]– عبد الهادي التازي، جامع القرويين، المجلد 3، الطبعة الثانية، دار المعرفة، 2000، ص، 725.
[2]– سلطان علوي، حكم ما بين سنتي 1792 و 1822م، توفي نوفمبر 1822م.
[3]– تأسست المدرسة المصباحية سنة 732ه/1332م بمدينة فاس، مؤلفة من بنايتين متجاورتين تحيط كل واحدة منها بصحن وتتوفر على العديد من الغرف التي كانت تأوي الطلبة بالإضافة إلى المرافق الصحية وقاعتين للدرس والمراجعة والاستقبال، وسميت بالمصباحية نسبة إلى الفقيه المالكي أبو الضياء مصباح الياصلوتي المتوفى سنة 732ه على اعتباره أول مدرس بها حين تأسيسها، أنظر: سعيد العفاسي، المدارس التاريخية بفاس، https://www.qarawiyyinvoice.com/2016/12/blog-post_20.html
[4]– محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعدية)، تحقيق ذ.أحمد العماري، دار المأثورات، الطبعة الأولى 1986، ص، 296.
[5]– نفس المصدر، ص، 296.
[6]–  تاريخ الضعيف، ص، 297.
* عامل مدينة فاس آنذاك.
[7]–  المصدر السابق، ص، 297.
*  فرقة من الجيش.
[8]–  نفسه، ص، 297.
[9]–  نفسه، ص 297.
[10] – نفسه، ص، 297.
تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: