صوت الجامعة المغربية

بيريش تكتب: “لا بد أن ننتصر”

بشرى بيريش-عضو المجلس الوطني للمنظمة

في جلسة عائلية تزامنت مع عيد الفطر، تجمعنا شباب وأطفال العائلة في لعبة جماعية للورق. نضع القواعد ونرتب الأدوار ونشرح كيف تنجح اللعبة.

في كل مرة هناك غالب ومغلوبين. بين نظرات الفرح والغبطة ونظرات الخجل والغضب.

تطلب الامر مني وقتا لأتأمل الأمر بصيغة مختلفة قليلا، ولأني شاركت معهم اللعبة وأسعى جاهدة للفوز، فقدت أغلبية تركيزي في البحث عن سبل للوصول وغفلت عن الإحساس أو حتى على الأقل الاهتمام بمشاعر الآخرين. كنت أبحث عن الفوز بشكل أناني.

بعدما هدأت العاصفة، سألت نفسي عن تلك الفكرة، فكرة الانتصار، عن تلك الرغبة الجامحة للحصول على ذاك اللقب، رغبة الصياح عاليا “لقد ربحت”.

فكرت فيها أولا في إطار هذا الحدث الصغير الذي مررت به، فبإطار اللعبة التي جمعتني بشباب وأطفال ربما من الفطري في تعالمهم الاندفاع والرغبة في التنافس والحصول على الصدارة في سياقها الترفيهي هذا.

بعد ذلك ذهبت بالفكرة إلى مستويات مختلفة أخرى، الانتصار للنفس، الانتصار للقبيلة، الانتصار للدين، للغة…فصارت الفكرة أكبر واسقاطها على كل موضوع أو كل قضية فيها طرفين أصبح سهل المنال.

لماذا نسعى دائما للانتصار؟ لماذا نبحث عن مساراتها بلا اهتمام بالأطراف الأخرى؟

هل للبحث عن تحقيق الاستقرار النفسي والراحة المؤقتة؟ هل الانتصار يغذي فينا جانبنا الأناني؟ هل هو فقط من المهدئات النفسية الممكنة للحصول على رضى داخلي؟

إن فكرة الانتصار التي تصاحبنا دائما في تصرفاتنا، أفعالنا وأيضا في الكثير من مواقفنا: من الانتصار للذات، للقبيلة، للدين وللوطن، فكرة مزيفة أو مغلفة بشكل غير سليم تماما، فهي تجعلنا نحس بأن الأمر يتعلق بمعركة و بصراع لابد فيه من رابح وخاسر في الأخير. هي معركة يتم فيها استدعاء كل الحجج القاتلة والأدلة الدامغة التي تضع الطرف الآخر في وضعية إحراج وضعف. طبعا، بل الهدف هو استصغار الغير وإعطاء الذات القيمة والحجم الأكبر.

طبيعتنا البشرية تكره الضعف وتسعى كل الوقت لاستكمال النقائص التي يُعتقد أنها لن تنفع للنجاة في هاته الحياة، فالقوي –كيفما كانت صفاته- وفي حالتنا هاته “المنتصر”، هو الذي يحظى بفرصة أكبر للبقاء الاجتماعي بين أقرانه.

إنها غريزة البقاء التي لا فخر بتبنيها من طرف البشر في حين كانت صفة لصيقة بكل من عاش وجاء من الغاب.

بقليل من المنطق، إن فكرة الانتصار محدودة بل إن نتائجها ليست كما نظنها دائما.

لن أستفيض في هذا الأمر وأكتفي بذكر مثال الحروب التي عرفها العالم وتداعياتها على جميع المستويات، ولن نختلف كثيرا في تعداد المآسي والدمار النفسي والمادي الذي ألحقته، ومازالت تبعاته ترافقنا لليوم.

في الحقيقة، الأمر لا يتعلق أبدا بانتصار لا من بعيد ولا من قريب، إنما يتعلق الأمر بحسن “التموقع” في نظري، لأن حسن التموقع لا يقتضي بالضرورة أن نتعارك أو أن نتصارع.

يمكنك أن تتموقع في صفك وتحس بنفس نشوة الانتصار. يمكنك أن تتموقع في حيز يجعلك تتبنى مواقف تبعث أمل العيش الكريم للجميع، أن تدعوا للسلام وحسن العشرة في سياق النزاع والحروب، أن تصلح ذات البين بعد خصام قد يكون أبعد ما يكون عن رجاحة العقل وانضباط الأعصاب.

لابد أننا متفقون أن فلسفة الانتصار مبنية دوما على وجود فرقة خاسرة. والخسارة لديها تبعات كبيرة وعميقة، تخلق بؤسا نفسيا واجتماعيا طويل الأمد.  فلن تنسى مصر أبدا، خسارة منتخبها أمام المنتخب الروسي، ولا حتى الدول المستعمرة ستنسى أضرار وخسائر الحروب العالمية عليها.

إن الفرقة الخاسرة تبحث وتسعى دائما إلى الانتصار مرة أخرى في أي فرصة سانحة. ففي علم النفس يقال أنه لابد من البحث عن تجربة سعيدة بعد كل حزن قد يمر به الفرد، وبالتالي فكل خسارة تأتي بعدها الكثير من المحاولات للانتصار والسعي لمحو الذكرى الأخيرة التي سجلت في الأحاسيس والوجدان.

قس على ذلك كل دعوة للانتصار باسم الدين أو اللغة أو القبيلة، فكلها محرَكة بدوافع أغلبها نفسية بالأساس وتبعاتها تستمر بشكل مضطرد يستمر معه الاحتقان بشتى أنواعه ويورث الصراع على نفس الأسس من جيل الى جيل.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: