صوت الجامعة المغربية

ظاهرة الغش في ميزان المقاصد الشرعية- بقلم محمد قاسمي

محمد قاســمــي-باحث في سلك الدكتوراه

إن الشريعة الإسلامية مَبْنَاَها على جلْب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، ومرماها إخراجُ المكلف عن داعية هواه إلى رحابة التعبد والانقياد لأوامر الله واجتناب نواهيه، والعمل بما يرضي الله _تعالى_ وترك كل ما يسخطه _سبحانه_، فلذلك كانت كلها (رحمة)، و(حكمة)، و(عدلا)، و(تكريما) لهذا الإنسان. ولا ريب أن المتأمل في نصوص الشريعة وقواعدها العامة ومبادئها الكلية، يلحظ هذه المعاني قائمة أمامه، وماثلة في تفاصيل أحكامها في سائر نواحي العبادات والأخلاق والمعاملات والآداب.

لذلك كانت جل أحكامها منضبطة وراجعة إلى هذه المعاني المحكمة، قال الله _تعالى_ (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقال (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج)، وقال (والله يريد أن يتوب عليكم)، وقال (ولا يرضى لعباده الكفر)، ويقول النبي _عليه السلام_ (لا ضرر ولا ضرار) .. وغير هذه النصوص الدالة على الحكمة والرحمة ورفع الحرج والضرر في الشريعة كثير يكاد لا ينحصر.

وانطلاقا من هذه المقدمة (المسلمة) المجمع عليها بين الدارسين للفقه ومقاصد الشريعة، نحاول مقاربة ظاهرة (الغش) بما هي استثناء من الأصل وخروج عن جادة العمل والصواب، وصورة من صور عدم الأخذ بالأسباب الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية، فنقول وبالله التوفيق:

إن حديث الإسلام عن ((الغش)) كان حديثا مباشرا لم يكتنفْهُ غموضٌ في ماهيَته وصوَره وتجلياته، بل حتى في أسلوب بَيَان حُكْمه .. فالقرآن قد تحدث عن التطفيف والنقص في المكيال وتخسير الميزان، فتوعد المُطَففين بالويْل الشديد في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وبين أن الكون كله قائم على العدل والقسط وعدم الطغيان، قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ  أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)، وهذا بين في أن التطفيف وتخسير الميزان من أخطر أنواع الغش الذي يدل على الضعْف والاستعجال وعدم الإخلاص، ولكون (الغش) يشمل كثيرا من الانحرافات السلوكية والعملية بين الناس، يقول ابن فارس في بيان معنى الغش:  “(غش) الغين والشين أصول تدل على ضعف في الشيء واستعجال فيه، من ذلك الغش. ويقولون: الغش ألا تمحض النصيحة ..”، وعدم إخلاص النصيحة هو حقيقة الغش، وقد عُلِمَ قَطْعًا أن (الدينَ النصيحةُ)، فالغش إذن يُهدد كيان الأمة التي لا يقوم لها شأن ولا تكون لها قيمة إلا بأصول دينها الخمسة المستقرأة من تفاصيل ونصوص الشريعة، وهذه الأصول هي حفظ: (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، وهي كليات تَمتْ مراعاتُها في جميع الأدْيَان والمذاهب والنحل كما صرح بذلك غير واحد من الأصوليين والفقهاء ..

الدين والغش: إن الدين المقصودَ حفظُه كما ذكرتُ هو أصولُه الاعتقاديَة: من توحيد وإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأصوله العبادية: من صلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد وغيرها، ومبادئ أخلاقية: من صدق ووفاء وعفة وتقوى واستقامة وغيرها، وأصوله المعاملاتية الفردية والجماعية بين المسلمين داخليا وخارجيا: من حرية وكرامة واحترام وعدم إكراه، وعدل ورحمة … فبعض هذه الأصول تختص بحفظ الدين وبعضُها تدخل في أكثر من كلية واحدة كالجهاد جُعلَ لحفظ الدين والعرض والمال مثلا ..

فالغش إذن بما هو ضرب من التطفيف والاحتيال وعدم الإخلاص في النصيحة بمفهومها (العام) يخرُم هذا الأصْل الذي هو (الدين) إذا هو سرى بين الأمة وأفرادِها:

 فلا صلاة صحيحة وهي مغشوشة!! ولا زكاة تامة وصاحبها محتال على الشرع!! ولا صيام كامل والصائم مطفِفٌ في صيامه!! فأنت ترى أن الغش إذا تسَرب إلى هذا الأصْل هَدمَه وأنْقصَهُ وأضْعَفَهُ للأسف ..

النفس والغش: والمقصود بالنفس الإنسان والآدمي (الرجل والمرأة، الصغير والكبير، الجنين والوليد)، إذْ لا يُمكِنُ استثناء أيِ إنسان من مسمى النفس. فالإسلام جاء ليحْفظ الإنسان جملة وتفصيلا، لذلك حرم قتْله وإذايته وتعذيبه والتنكيل به ودوس كرامته، و((غِشه))، قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ (من غش فليس منا)، ولم يقيد المستهدَف بالغش كونَهُ مسلما أو غير مسلم، لأن الإنسان مكرم من عند الله _تعالى_ جملةً وتفصيلا، قال ربي _جل وعز_: ( ولقد كرمنا بني آدم)، فتهديد الغِش لحياة الإنسان قد يكون بطريق مباشِر وبغيرِه، فإذا وقع الغش في مأكله أو مشربه أو ملبسه أو مركبه .. فلا شك إذن أنه سيُهدد حياتَه وكيانه واستمراره في الكون .. لذلك كان الغش آفةً خطيرة تهدد كلية (النفس) التي جاء الإسلام وغيرُه من المذاهب والنحل لحفظها!!

العقل والغش: ليس المقصود بالعقل ما عَنَاهُ المناطقة والفلاسفة من أنه “جوهر لطيف وخفي” .. ولكن المقصود به: قدرة الإنسان على التعقل والتفكير والوعي والمعرفة، وهو عند الفقهاء والأصوليين وعلماء الشريعة والتربية والسلوك والتصوف مناط التكليف، فلا تكليف بدون عقل!!

وبعيدا عن الأمثلة التي يوردها الفقهاءُ في سياق بيانِهم لمهددات ومهدمات (العقل)، وعادتُهم أنهم يمثلون بشرب (المسكرات والخمور ..)، أقول: إن (التطفيف المنهجي) في العلوم والمعارف والتعليم والتدريس والتربية من أخطر أنواع الغش، لكون مفاسده _للأسف_ مستمرةً ومتعديةً وغيرَ لازمة ولا قاصرة ولا محصورة بزمان ومكان معين، وقد علم أن المفاسد يَعْظُمُ خطرُها ويكبُر وِزْرُها بقدْر امتدادها في الزمان والمكان والأشخاص!! ولكون الغش في هذا كله يهدد كلية (العقل) التي جاء الإسلام لحفظها!!

النسل والغش: والمقصود بحفظ النسْل حفظُ استمرار الإنسان بشكل طبيعي عبر آصرة الزواج والعِشْرَةِ الحلال، وعدم اختلاط الأنساب وجَهْلِهَا، وبعضُ الأصوليين يعبر عن هذه الكلية بـ (العِرْض) وهو مفرد (أعراض)، غير أن مقصودَهم واحدٌ كما بينت في معنى النسْل، لذلك مَنَعَ الشارع القذْف والبهتان والكذب وعدم الوضوح، وغير ذلك .. فالعلاقة الزوجية والعشْرة بين الزوجين إذا كانت قائمة على الغِش وعدم الوضوح وعدم تمحيض النصيحة وإخلاصها، فستتأثر بشكل أو بآخر، وبالتبع سينتقل التأثير سلبا على هذه الكلية العظيمة التي هي (النسل) ..

المال والغش: ويُقصَد بالمال “كل ما يُتقوم بثمن” فيدخل فيه الأصول: أي الأراضي وما اتصل بها من بناء وغرس، والعروض وما يجعل عادة للبيع والشراء، والذهب والفضة وغير ذلك .. لكون مفهوم المال في الإسلام شاملٌ عام يَنْتَظِمُ هذه الأشياء وغيرها .. وباستقراء النصوص الشرعية نجد أن المال كُليةٌ عظيمةٌ وجب حفظُها وصيانتُها والاهتمام بها من كل ناحية، يقول الأستاذ الطاهر بن عاشور _رحمه الله_: (وإذا استقريْنا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة والمشيرة إلى أن به قوامَ أعمالها وقضاءَ نوائبها نجدُ من ذلك أدلة كثيرةً تفيدُنا كثرتها يقينا بأن لِلْمال في نظر الشريعة حظا لا يُستَهان به”، ويقول في موضع آخر من كتابه: (والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها)، ولا شك أن الغش في الميزان والتطفيف والغبن المتعمد كلها من صُور خَرْم هذه الكلية الشرعية الأساسية.

فبعد وضع هذه الظاهرة في ميزان المقاصد الشرعية يتضح لنا جليا أن الغش من (كليات المفاسد) الواجب مدافعتُها والتقليصُ منها، بل ومحاربتُها بالتوعية والتثقيف والوعد والوعيد ..

والله الموفق للصواب وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: