صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

عام الجماعة والتأويل المخالف للجماعة

توفيق الفلاح

نشر الأستاذ محمد يتيم مقالا بعنوان: “عام الجماعة، عقد اجتماعي في سياق إسلامي”، وهو مقال يدور حول أهم الأحداث السياسية التي وقعت في تاريخ المسلمين والتي شكلت نقطة تحول مفصلي كان عنوانها انتصار القوة على المبدأ وإيثار الحفاظ على جماعة المسلمين وبيضة الإسلام على التفرق وانفراط العقد والعودة إلى الاحتراب كما كان الحال قبل الرسالة، والناظر في هذا الحدث التاريخي الهام الذي سمي “عام الجماعة” وهو العام الذي تنازل فيه أمير المؤمنين الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان عن الخلافة حقنا للدماء وتحقيقا لبشارة جده المصطفى ﷺ : “إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين” ، يجد أن الفرق الإسلامية تعددت تفسيراتها لهذا الصلح وتنوعت من تنازل أول خليفة عن حقه في الإمامة مقابل غايات ومقاصد تهم جسد الأمة ككل وروحها النابضة، مع اتفاقهم جميعا على حسن صنيع الحسن وتحقق نبوة النبي الكريم فيه ، والدروس والعبر من ذلك لم تنقطع إلى اليوم، إذ كلما احتاج فريق موقفا أو اختيارا استند إلى أحداث صدر الإسلام.
وصاحب المقال يدخل ضمن هذا السياق، رغم ادعائه ضمن نسقه التركيبي والبنائي للأفكار الابتعاد عن الخوض في تلك الأحداث، مدعيا أنه اختيار أهل السنة والجماعة، إذ يقول: ” وقرروا عدم الخوض فيما ما وقع بينهم من خلاف [أي الأصحاب]” ثم يضيف “رافعين الشعار الذي رفعه خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز الخليفة الفقيه حين سئل فيما وقع بين الصحابة: فأجاب: تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني”، وصاحب المقال إذ يرتكب خطأ منهجيا بعيدا عن لغة البحث العلمي باستعمال ألفاظ الجمع دون الإشارة إلى إمكانية وجود من لا يرون نفس الرأي وهو الذي يوافق التأول في الدماء والأموال بدعوى الاجتهاد! ولا يجيز لنفسه أن يكون ممن ينتسب للسنة والجماعة ويخوض في أحداث صدر الإسلام محللا ومناقشا ومحققا صحيح أخبارها من سقيمها وناقلا ما ورد بخصوصها بدعوى الاجتهاد نفسه، وهذا صنيع خلق لا يحصى من أعلام الأمة وعلمائها أمثال الطبري والذهبي وابن خلدون وابن كثير وغيرهم…
وإنما مدار النهي الذي جاء على لسان العلماء، هو عن الخوض فيما ينتج عنه الطعن في مكانة الأصحاب رضوان الله عليهم أو الوقوع في أعراضهم أو الإساءة إليهم. أما البحث الجاد والتحقيق في الروايات وعرض الأخبار وجمع الآثار بعضها ببعض ومقارنتها وتمييز غثها من سمينها، مما يساعد الأمة على دراسة تاريخها والاستفادة منه ومعرفة أصول مذاهبها ومدارسها والتنوع الحاصل ضمن تاريخها، فهذا أمر مطلوب بل واجب على طائفة منها ليتفقهوا في أمر دينها ودنياها وبما يُصلح واقعها، هذا مع الاحترام التام لمكانة الأشخاص وتوقيرهم وحسن الظن بهم والاستغفار لهم مصداقا لقوله جل وعلى: “وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ”
إن الدعوى بالكف عما شجر بين الأصحاب وعدم البحث في أحداث ووقائع الفتنة والأحداث التي أفرزت الإرهاصات السياسية لنشأة المذاهب الفكرية والعقدية، إضافة إلى ما ذكرنا، دعوى غير واقعية ولا يمكن تحققها بحال من الأحوال:
أولا: ادعاء الكاتب أنها إحدى العبر والخلاصات التاريخية في مجال العقيدة ومجال السياسة، ولا يمكن الوصول إلى هذه الخلاصة إلا بالبحث في الأحداث والوقائع ودراسة النصوص. وبهذا يبطل كلامه. فإن كانت قاعدة للمنتهي فلا بد أن يتوصل لها الباحث المبتدي، ولا يصير إلى ذلك إلا بالطلب والتحقيق والاجتهاد، والاجتهاد لا يكون إلا بوجود المجتهَد فيه… وهكذا في كل فن.
ثانيا: أن الكاتب نفسه لم يستطع الالتزام بقانونه، إلا إذا كان يعتبر أن الكتب التي تلائم هواه المذهبي لا تدخل ضمن الخوض فيما شجر بين الأصحاب. فأستاذنا نقل واستدل في غير موضع بكتاب “العواصم من القواصم” لأبي بكر بن العربي وبـ “منهاج السنة” لابن تيمية وهما كتابان يتشابكان مع أدق القضايا الخلافية في صدر الإسلام بل وفي سياق مذهبي مشحون لا يمكن إلا أن ينتج مغالاة أكثر وإساءة أكبر وهذا ما وقع فيه ابن العربي أو بالأحرى بشكل زائد محب الدين الخطيب محقق الكتاب، الذي بالمناسبة لا يفرق أستاذنا في بعض الأحيان بين أقواله وأقوال ابن العربي، الذي رفع راية الهجوم ومعتقدا أن في ذلك دفاعا عن الأصحاب رضوان الله عليهم فأساء للجميع، وابن تيمية الذي جاء كتابه ردا على الشيعي الإمام ابن المطهر الحلي، ووقع في كل محظور، ووقع في شبه النصب لآل البيت، فأساء لعلي كرم الله وجهه من حيث يريد الرد على الإساءة لعثمان .
ومن العبر والخلاصات التي أوردها الأستاذ قوله: “اختارت بعض الفرق الأخرى أن تعيش على أطلال ذلك الخلاف، وجعل التفاضل بينهم أو التشيع لبعضهم دون البعض الآخر إلى حد جعل لعنتهم والتبرؤ منهم دينا يتقرب به إلى الله على غرار ما فعل بعض غلاة الشيعة”، وكلام صاحب المقال هنا يحتاج إلى وقفة، ففي سياق البحث العلمي والتاريخي لا بد من العودة إلى أصول القضايا وطرح سياقات نشأة الأفكار والمظاهر والسلوكات خصوصا إن كانت سلوكات وممارسات جماعية تطورت فيما بعد نحو المنحى العقدي، وهنا يجب الإشارة إلى الأمور الآتية:
أولا: اعتباره أن التفاضل بين الصحابة أمر غير محمود وهو عيش على أطلال زمن الفتنة، وانتقاده إلى أن يصير ذلك “دينا”. والذي خفي عنه أن الله جل وعلا جعل التفاضل في كل شيء حتى بين الأنبياء والمرسلين فقال: “تلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ” ، وأن أهل السنة والجماعة يقيمون عقيدتهم على أساس هذا التفاضل في مبحث الإمامة، إذ لا تجد كتابا في الإمامة إلا ويبتدئ بـ “وأفضل الصحابة..” “إن أفضل الصحابة..” إلى غير ذلك، وذلك ليس من باب التشهي أو القول بالهوى وإنما بما ثبت لكل جماعة بالدليل الشرعي والاستقراء التاريخي والاجتهاد من أفضلية أحدهم على الآخر، وقد قال : “لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” .
أو قوله جل وعلا: “وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ” ، قال الإمام الشوكاني في تفسيره: “في الآية تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلوا القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي، أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار، ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها، قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية…”
فجمهور أهل السنة والجماعة على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم باقي العشرة، ووُجد جمع آخر ممن تفاضل بين علي وعثمان فمنهم من قدم عليا كإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، أو التوقف في أمرهما كإحدى الروايتين عن مالك بن أنس، ومن الصحابة من قدم عليا مطلقا على جميع الصحابة رضوان الله عليهم. فقد ذكر الشيخ المحدث عبد العزيز بن الصديق الغماري -رحمه الله- جملة من الصحابة فضلوا عليا على جميع الصحابة، حيث قال: “الذين ذهبوا إلى تفضيل عليٍّ عليه السّلام على جميع الصحابة ـ أبي بكرٍ فمَن بعده ـ منهم : سلمان الفارسيّ، وأبو ذرٍّ، والمقداد، وخبّاب، وجابر، وزيد بن الأرقم، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وعمّار بن ياسر، وأُبيّ بن كعب، وحذيفة، وبُريدة، وأبو أيّوب الأنصاري، وسهل بن حُنيف، وعثمان بن حُنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وقيس بن سعد، والعبّاس بن عبد المطلب، وبنو هاشمٍ كافّةً، وبنو المطَّلب كافّةً، وآخرون لا يحصون كثرةً، بل كلّ من قاتل مع عليٍّ، وانطوى تحت لوائه كان على هذه العقيدة ـ كما هو معلوم”
هذا عن التفاضل بين أفراد الصحابة، أما التفاضل بين بين جماعات الصحابة، فالخلاف شبه منعدم بين طوائف المسلمين بنص القرآن والسنة بتفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار عمن دونهم ثم البدريين ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان، إلى آخره…
وفي عقيدة الإمام أحمد أنه كان يقول: ” وأفضل الصحابة: أهل بيعة الرضوان. وهم ألف وأربعمائة. وخيرهم وأفضلهم: أهل بدر، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وأعيانهم الأربعون أهل الدار. ‌وخيرهم: ‌عشرة ‌شهد ‌لهم ‌النبي  ‌بالجنة، ومات وهو عنهم راض. وأعيانهم: أهل الشورى، الذين اختارهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه للمسلمين. وأفضلهم: الخلفاء الأربعة الراشدون” .
ثانيا: انتقاده للعن والتبرؤ وجعل ذلك دينا يُتقرب به، وهذا مما لا شك فيه صحيح تماما، فمظاهر السب واللعن وحوادث الاختبار من النقاط السوداء في تاريخ بعض الدول ومن العلامات الدالة على انحطاط الأخلاق والفجور في الخصومة، لكن الذي يثير الاستغراب هو حديث الأستاذ عن الشيعة فقط دون غيرهم مع تأخرهم زمنا في ذلك، علما أن السبّاق لهذه البدعة المنكرة كانوا أعداء علي كرم الله وجهه، وصاروا يتوارثونها جيلا بعد جيل إلى أن أوقفها عمر بن عبد العزيز . قال ابن سعد في الطبقات: “أخبرنا علىّ بن محمد، عن لوط بن يحيَى الغامدي قال: ‌كان ‌الولاة ‌من ‌بنى ‌أميّة قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليًّا، رحمه الله، فلمّا ولى عمر أمسك عن ذلك” ، إلى غير ذلك من النصوص.
ومما لا شك فيه أن لعن الصحابة أو التنقيص منهم أو التبرؤ منهم خصوصا الأنصار والمهاجرين والسابقين والمبشرين بالجنة والذين وردت فيهم النصوص وأشاد بهم رسول الله  ووعدهم الجنة بما عملوا، وماتوا على ذلك. وقد سقط غلاة الشيعة خصوصا بعد أن تحولت إلى فرقة عقدية وانقسمت إلى طوائف وخاضت في مسائل العصمة والحق الإلهي والتقية… وغير ذلك مما أحدثوا، قد وغلوا في الأعراض وأظهروا السب والشتم والتبرؤ واجترار الماضي بصورة أكثر بشاعة من أي زمن قبلُ! فهذا لا شك مرفوض ومن الزيغ والضلال، لكن هذا لا يمكن بحال أن يغطي تاريخيا عند البحث والاستخلاص والجرد الاستقرائي والتحليلي للأحداث وسياق تشكل المظاهر المشينة و”البدع” المنكرة في الدين.
ثالثا: أن النخب يجب أن يكون فهمها أكثر عمقا وتحليلها أكثر غوصا في الأبعاد المعرفية للظاهرة المدروسة، فنقد مظاهر مركبة لها جذور في التاريخ الثقافي والاجتماعي والمذهبي للأمة لا بد أن يبتعد عن التحليل السياسي والموقف الشخصي وينفذ إلى عمق الظاهرة ويرصد أسبابها والسياق الكامل في نشأتها، دون ذلك يبقى الحديث مجرد انطباعات و”ارتياحات” إن صح القول لبعض المواقف البسيطة، فالنظر لعاشوراء الشيعية وطقوسها المأثمية مع إغفال “عاشوراء الناصبية” وطقوسها الاحتفالية المهرجانية مثال بسيط جدا لما يقع فيه الكاتب من اختزال واقتصار سطحي وجزئي، أفقيا في الجغرافية الإسلامية، وعموديا في تاريخ الأمة وتاريخ الفرق والأفكار.
وفي سياق آخر يعتبر محمد يتيم أن مجرد الاعتقاد أن الولاية والإمامة تُعتصب في الأصل من بيت النبوة هي عقيدة فاسدة، هنا يغيب عن الأستاذ مفاهيم الاجتهاد والتأول وغيرها مما يجيده في النقل عن ابن تيمية ومحب الدين الخطيب!! أحرى أن في هذا تعريض بعدد من الأصحاب وآل البيت الذين يرون أن عليا أحق بالخلافة لقرابته من رسول الله  وعلى رأسهم علي نفسه! والعباس والذي طلب من علي أن يسألها رسول الله  عند مرض موته. بل أبو سفيان والد معاوية الخليفة “المجتهد”، فكيف يسع معاوية الاجتهاد ولا يسع والده! وآخرون كثر..
ففي الرواية من الصحيحين دخل أبو بكر على علي، فقال علي: “إنَّا قدْ عَرَفْنا فَضْلَكَ وما أعْطاكَ اللَّهُ، ولَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا ساقَهُ اللَّهُ إلَيْكَ، ولَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عليْنا بالأمْرِ، وكُنَّا نَرَى لِقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَصِيبًا” . فهل عقيدة علي  فاسدة!! اللهم إنا نعوذ بك من الزلل.
وإن ظهر لك هذا التجني والقول بغير علم، دعني أطلعك على ما هو أكبر منه بالنسبة إلى متحدث في أحد أعقد القضايا في تاريخ المسلمين رغم تقريره النهي عن الخوض في ذلك، وفي اعتقادي أن أشد نهي يجب أن يكون لمن يتحدث بغير علم! ويخلط بين التواريخ والأحداث بل ويجزم في ذلك. فالأستاذ يتيم أورد في معرض حديثه عن الاستمرار في “تلك العقيدة الفاسدة” حسب تعبيره ومواصلة القتال لأجلها! مبادرة الحسن بن علي  للصلح قائلا: “وأصرّت [أي الشيعة] تبعا لذلك على مواصلة القتال ثأرا من قتلة الحسين بن علي، فإن أخاه الحسن بن علي، أقرب الناس إليه وأولى بمواصلة (حرب الثأر له) واستدامة الحرب الأهلية، قد وقف موقفا مغايرا، حين قرر بطريقة إرادية التخلي عن الخلافة لمعاوية بعد بيعته خلفا للحسين”.
وإني أترك القارئ حائرا بخصوص هذا الكلام فكيف أن الحسن كان أولى بمواصلة حرب الثأر للحسين؟! وكيف قرر التخلي عن الخلافة لمعاوية بعد بيعته خلفا لأخيه الحسين؟!
وهذا الكلام لا يصدر إلا عن شخص لم يقرأ شيئا عن تاريخ صدر الإسلام، إذ أن الحسن  مات سنة 49ه بعد أن صالح أهلَ الشام وتوجه إلى المدينة وبقي هناك إلى أن توفي بها، بينما أخوه الحسين بقي متمسكا بصلح أخيه إلى أن أحدث معاوية فتنة البيعة لولده اليزيد وأكره أبناء كبار الصحابة على الدخول فيها، ولم يخرج قاصدا الكوفة إلا بعد الانعقاد ليزيد ودعوة أهل الكوفة له من المحبين والأنصار وشيعة أبيه، فاستشهد  في كربلاء سنة 61 ه. فكيف قرر الحسن التخلي عن الثأر للحسين وهو مات قبله ب11 عاما!!
وهذا الخطأ ليس زلة من الأستاذ أو وهم، إذ ليس من هذا الصنف أبدا، إضافة أنه كررها مرتين في نفس المقال من جهة وفي مقالين مختلفين من جهة أخرى، أولهما مقال بعنوان: “تأملات في التاريخ: دماء على المصحف” نُشر سنة 2020، والثاني الذي بين أيدينا.
وهب معي أحد المفكرين الشيعة يتحدث عن عدم ثأر عمر بن الخطاب لمقتل عثمان بن عفان! كيف سيبدو؟ على أن هؤلاء خلفاؤنا الراشدون المهديون، والمثال الأعلى والنموذج الأسنى، ومعرفة بعض تواريخهم يشبه المعلوم من الدين بالضرورة. فكيف بمفكر سني باحث في هذه الفترة ويكتب رأيا! ويقدم الحسين على الحسن؟! وأئمة آل البيت علي ثم حسن ثم حسين.. والبقية بهذا الترتيب!! أليس هذا أغرب من الخيال؟! ثم كيف لمئات أو آلاف القارئين للمقال لم ينتبهوا لذلك أو لم ينبهوا له؟ اللهم إلا إذا كان قراء يتيم ممن لا يدركون شيئا مما يقرؤون في مثل هذه المواضيع خصوصا أن المقال نُشر في صفحة حزب سياسي لا يتابعه إلا المنشغلين بالتدبير السياسي الآني والمنقطعين عن كل حقل معرفي تأسيسي وان ادعوا وصلا به وتجديدا له!

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: