صوت الجامعة المغربية

فنزاوي يكتب: “رباط المتنبي..عندما تعري ندوب الاحتقار اللبوس المعاصر لمنظومة الحكم العتيقة!”

ابراهيم فنزاوي- ماستر متخصص في الهندسة وتدبير الجودة

 

فلا عبرت بي ساعة لا تعزني…..و لا صحبتني مهجة تقبل الظلما .

بهذا البيت  البليغ، يستهل الدكتور حسن أوريد قالبه الروائي الجميل رباط المتنبي. كما في (ربيع قرطبة) و في (الاجمة) و في (الحديث و الشجن)، الرواية هي المهرب و الممتطى الذي يأوي اليه مؤرخ المملكة و الناطق باسم قصر الملك سابقاً،  ليبثه شكواه، ليضمنه تقرحات كبده، تقرأ للرجل فتأسرك لغته الجزلة و عباراته المنتقاة بذوق عالي، و ليس يحسن هذا الترصيف اللغوي الا رجل له مُكنة باللغة و ناصيتها يملك لجامها، يطوعها كما يشاء..

عندما تعجز اللغة التقريرية عن وصف عوالم تحيط بها الأسوار العالية التي لا يقدر احد على الاقتراب منها، عندما تعجز حتى لغة البحث العلمي الاكاديمية عن توصيف بعض الظواهر المستعصية على الإحاطة لما يختمل فيها من تناقضات تقف امامها أدوات البحث عاجزة، تكون اذ ذاك  فقط الراوية و الشعر و الفنون عموما هي الملجأ و طوق النجاة. لما تستطيعه من نفاذ الى الأعماق و توصيف لظواهر و تصوير مجازي لأمور لا تقال بلغة التقرير العادية. او أثقلت على أصحابها واجبات التحفظ.

لا يكون المرأ مستوفيا لشرط الاغراء بالقراءة و الاهتمام، حتى تكون له قضية يدافع عنها، مسار حافل يرويه، او قصص من عالم مستعص على الفهم يحكيها، و هذا شأن حسن أوريد الذي شغل الناس بحكم مساره و مسيرته و مناصبه و قضاياه. كنت من الذين يرمونه بخادم الأعتاب و ابن دار المخزن و بالمتأمزغ و بالوالي المتسلط الى وقت قريب. حتى انه لمّا التقيته أول مرة  في صحراء الجنوب الشرقي قريبا من هضبات الحمادة في محاميد الغزلان على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الجزائرية خلال مهرجان تاراكالت، كان سلامي عليه جافا كسلام الذي لا يرضى لصقر مثله ان يكون مقصوص الجناح كالدجاجة. و نحن على سفح تل رملي عالي لحظة غروب الشمس وراء تلك البحار من الكتبان، سلقته بلسان حاد و عين لم تنف عنه ركونه و خنوعه. بعض الأحكام تحتاج الى بعض الوقت كي تراجع او يراجع أصحابها اصطفافاتهم، نحتاج مسافة كي نكتشف تهافتنا و ذاتية أحكامنا.

اليوم وبعد أخد القدر الكافي من المسافة، والاطلاع على نَزر  من كتابات الرجل و ربما حتى بعد ان عّدل هو أيضاً أشرعة سفنه، و أعاد توجه سنامه، أجدني معجباً بالرجل غاية. و هذا أيضاً حكم ذاتي.

في الرباط، رباط المتنبي، ينبعث أبو الطيب من مرقده و يحل ضيفاً على الأستاذ حسن أوريد بشقته في العاصمة. هنا تبدأ أطوار قصة مشوقة مليئة بالحوارات و المساجلات الشعرية و الكلامية بين الرجلين، ربما هما في النهاية رجل واحد. ربما هي حالة انفصام و ازدواجية تموج بها ذات أوريد.  لم يقع الاختيار على ابي الطيب ان ينبعث من مرقده اعتباطا بل لغايات، فليس كل الناس و الشعراء ممن مروا كأبي الطيب مالئ الدنيا و شاغل الناس.

” المتنبي هو سبب المآساة او جزء منها .. سحر الجميع بقوة نظمه و جزالة شعره … آويته و قد اعرض عنه الجميع.. آويته و لم يجد مؤنسا و لا حاضناً .. و من ذا يؤوي شخصاً معتدا بنفسه، يملأه الزهو و يستبد به العُجب؟! .. رق قلبي له و قد أتاني لاجئاً .. كنت ارى ما حلّ بالعراق من تمزق، و ما لحق سوريا من دمار، و كان ذاك يدمي قلبي . خشيت ان يندثر لسانه و يغور شعره، … كنت قد زرت العراق ووقفت بعيني على ما استحدثه التيار  الجدد. هلهلوا سدى كان قائماً. الناس أفراد منفصلون بعضهم عن بعض او شيع و ميليشيات. حتى اللغة العربية لم يعودوا يحسنونها .. بل لم يعودا يحسنون الحياة، يعادون بعضهم بعضا و يقيمون المتاريس، و اضحوا كما في سالف الزمن حِلّا لكل عازٍ. للبويهيين الجدد و السلاجقة الجدد.. ثم كنت ارى ما حل بسوريا .. دمشق جريحة، و حلب خراب و حمص أنقاض و درعا حطام..

لم اكن اعرف عاقبة ان تستضيف شخصا منفلتا من الماضي و لم أكن أقدر مغبته.

كنت احسب المتنبي من يمسك مفاتيح الحل لوضع معضل.. كنت أعده نيتشه عربياً .. نيتشه من فصيلة أخرى يحقق الانسان الأسمى يبرئ قومه من لعنة الميتافيزيقيا و التواكل و التفسيرات الغيبية ..”

المفيد و الجميل في روايات أوريد انها تنتقل بكل بكل سلاسة و حصافة بين موضوعات تشغل بالك و تثير اهتمامك،  من ماض غابر لحاضر مركب ، لوذٌ بالأدب لتحليل الواقع الذي افرز مشاكل لا يمكن حلحلتها بدون هذه الرجوع للتاريخ و دروسه و الأدب و حكمه. يحكي اوريد عن لسان عربي انتكس حتى في عقر داره حيث كانت تنسج القصائد العصماء و تتلى الخطب البليغة.  لا الشام بقيت شاما حيث لم يبق من مساجد بني أمية الا الأنقاض، و لا العراق بقيت عراقا، لم يعد فيها الرشيد الذي يخاطب الغمامة ان تمطر حيث شاءت فخراجها عائد اليه. لا الحجاز كذالك بقيت وفية لميراث النابغة و عنترة احرى ان تبقى وفية لميراث الاسلام. أضحت هذه الرقع مرتع لكل الغاصبين، و طفلة يتيمة تتنازعها الأيادي، ما بين بويهيين جدد و سلاجقة جدد، أما الغزاة من بني الأشقر فذاك دأبهم من اول التاريخ. لقد تفرق القوم شيعا و لم يعودوا يحسنون حتى العيش و الحياة ، حتى لسانهم لم يعد بمقدورهم انطاقه كما نطق به اجدادهم.

يحاول أوريد حلحلل الأوضاع و تتبع مساراتها و الإجابة عن السؤال الاول و الأخير الظاهر و الباطن، لماذا تقدم غيرنا و تخلف العرب و المسلمون، يطرحه كم طرحه قبله الأمير ارسلان.

يحل المتنبي على الأستاذ أوريد في شقته، يتناقشان، يتشاجران، يتشاعران يتساءلان يتساجلان .. كان الأستاذ يتحسر في كل مرة على اللسان العربي الفصيح الذي فقده أصحابه و لم يعودو يتقنونه، ” لم يعد قومك يتمثلون شعرك، و يخطئون حينما يستشهدون بك. و لا يحسنون اللغة العربية، و يخطئون في قواعدها .. كانت الجموع في منتصف القرن الماضي تخرج في مظاهرة في دمشق او بيروت و هي تحمل لافتات مستشهدة بشعرك : عش عزيزا او مت و أنت كريم … انتهى كل ذلك، كان شعرك يُدّرس و يدرس كما لو هو تجهد او ما يعبر عنه في الادبيات الكنسية ” . Catéchismeب         .

لا يخفى على المتتبع لكتابات أوريد ان تلميحاته ليست من منطلق الترف الفكري او الامتلاء التنظيري، بل انه يعرف جيدا الى أين يوجه سهام نقده.  ان في إشاراته لنظام الحكم الاحادي و طبيعة الولاءت في ظل ممالك الخوف و الطمع رسائل واضحة ربما تعجز لغة التقرير عن ايصالها فتكون الرواية الحاملة لنبال الرامي. لا يمكن ان يستقيم الامر ما لم تكن هناك ديمقراطية حقيقية. مبنية على العدل و الحرية هكذا يستتب الامر للأمم . فقط بهذا  تستطيع الأنظمة الحفاظ على استدامة الامر لها . ما دون هذا مدعاة للتمرد و انفراط العقود .

في رواية أوريد تعريج ووقوف على  ندوب غائرة في الكرامة. تشعر في أحرفه بمرارة تلك التجارب التي مسته في اعماق كرامته، يذكر الدكتور حسن لحظات مرارة حاسمة اعتورت حياته. في فورة الشباب حيث كان يعيش في واشنطن رفقة فتاة مغربية كان الحب موثقه بها. كان يعيش تجربة الحب الدافئ في الغربة قبل ان يدخل للمغرب قسرا و يتهمه الوشاة بالتآمر ضد الدولة، و ربط صلات بأعدائها، و عدم الإيمان بما توطأ الناس حوله. اجهز هذا كله على مساره و وأد علاقة حب في المهد. يواخد على من عاش معها هذه التجربة انها خضعت للظغوط و أنهت علاقتها به.  في روايات أوريد دائما بوح و كشف لما وراء الأسوار العالية. في كل سطر تنتظر اخبار مروره بدار المخزن  وسرعان ما يأتيك الجواب في الصفحات الأولى من الرواية الجديدة، ناطقا بخفايا علاقته المتذبذبة بالقصر: «كنت أعيش بواشنطن.. وأدخلت المغرب لأنني كنت متهما بالتآمر على الدولة، وربط صلات مع أعدائها، وعدم الإيمان بما توطأ الناس عليه».

 

هكذا هو أوريد مثل دوستويفسكي، الذي يكرر، في أغلب أعماله، مشهد الحكم عليه بالإعدام، وكيف أفلت منه في آخر لحظة. لكن أوريد، كما يشير إلى ذلك في الرواية، أفلت من قطع الأعناق دون أن يفلت من قطع الأرزاق، بسبب وشاية وصلت إلى ولي العهد (محمد السادس) عن أنه كان على اتصال بالأمير مولاي هشام، عندما كان يشتغل في سفارة المغرب بواشنطن في عهد السفير محمد بنعيسى، وهو الأمر الذي ظل أوريد ينفيه. «كان ينتظرني واقع كالح وقد عدت إلى الرباط، من تخرصات عمالة وأنباء خيانة ونضوب مورد رزق».

 

في «رباط المتنبي» يحفر أوريد عن السبب الرئيس الذي جعله، منذ كان طفلا بالمدرسة المولوية، يعيش داخل القصر الملكي، كما يقول المتنبي، «على قلق كأن الريح تحتي»، إنه أصله الأمازيغي الذي تسبب الإحساس بجرح غائر في كبريائه، يقول: «هزئ مني، ولم تُوفّر لا أصولي الصحراوية، ولا لساني الأمازيغي. جرى التحامل علي، مع الاختلاق والافتراء.. كُذب علي. أجهز على مساري المهني».

بعد هذا الانكسار الاول، لم يجد أوريد غير زاوية ضواحي وجدة عند مقدمها سي العربي الخلوفي يأوي اليها. هناك حيث سيدخل في وحدة صوفية يؤنسه فيها  الخلوفي وديوان المتنبي. كلما فرغا من الأكل ارتشفا الشاي على السجية، يقراءان نتفا من ديوان المتنبي، ينامان في الحوش، و الزمان صيف تحت قبة السماء حتى الفجر. يستيقظان للصلاة و يلتحق بهما  الفقراء في الزاوية لصلاة الصبح و قراءة الحزب جماعة، يفطران بالحساء و التمر .. كان هذا دأبها .

يتبادل مع الخلوفي الحديث و الشجن، سي الخلوفي كان أيضا على موعد مع انكسارات تجربة الحب،  ما لا يخفيه شجنه حين الذكرى، و من ذا لم يذق مرارة الحب، يحكي أوريد عن سي الخلوفي ” يشفع و قد أنهى الغناء بصوت شجي ، بالتبتل على القطب سيدي بومين كما ليكّفرعن غزله العفيف : سيدي وبومدين جيتك قاصد، اجيني في المنام ندرى .. سيدي بومدين يا السيد، راني مدقوق الشفرة. يزيح الدمع من عينيه، لم يكن حزنه لشخصه، بل لعالمه. كان كلما تحدث عن شئ من أمور الدنيا شفع بآية او حديث او دعاء كمن يمحوا حوبة . “.

وجد أوريد في الخلوفي و الزاوية السند بعد الانكسار و الجرح الغائر في الكرامة و الكبرياء، ليلة مغادرته للزاوية اصطحبه الخلوفي لحمام الجردة، دلالة على التطهر الروحي، أهداه حكم ابن عطاء الله السكندري و سبحة. قبل انطلاق القطار ظل الرجلان يقبلان أيادي بعضهما، كان التعلق بينهما بلغ مداه.

لقد انقد الخلوفي أوريد مما كان به من ضنك و غم و كمد، تعافى و لكن نفسه لازالت تحمل آثار الندوب . ليس من السهل عليه ان ينسى ما انتهى الى ولاة الامر عنه من وشايات مفادها انه صحراوي، بيربرست ، متمرد ، مخرب ، علماني ..   .

عاد أوريد للرباط حاملا معه هم مواجهة منظومة لم تقبل به، بل لفظته. عاد ليكتشف عمقه الأمازيغي ليحمله ضمن مقومات وعيه، لم يعد قابلا على مواراة ما يحمله في وجدانه، كان يريد من الأمازيغية ان تكون آلة حرب ضد منظومة . يقول أوريد : هل يدرك الذين يتكالبون على الأمازيغية، و يتطيرون ممن يعتبرونهم غلاة، من غلو واقع، و تجبر منظومة، و ما أفضى اليه من تشتيت أسر و الاجهاز على المسارات؟  هل يدركون تلك الندوب الغائرة التي يسميها الفيلسوف Avishai Magalit بندوب الاحتقار؟»

 

بعد الانكسار الاول ، سيصبح حسن أوريد ناطقا رسميا باسم القصر الملكي، مع مقدم الملك الجديد إلى الحكم. «خريف 1999، وكنت حينها من علية القوم. عهد جديد تصالح فيه المتناحرون. ولم أكن ممن تصالحت معه المنظومة فحسب، بل كان من ذؤابتها وقطبا من أقطابها.

 

لكن أوريد، الذي تدرج في مسالك السلطة ناطقا رسميا باسم القصر الملكي فمسؤولا ترابيا بوزارة الداخلية ثم مؤرخا للمملكة، سرعان ما سيجد نفسه مغضوبا عليه، ليلوذ بالنقد الأقرب إلى سلخ الجلد، خصوصا لتجربته مؤرخا للمملكة: ” كنت خادما عند الحاكم بأمر الله وقد ولاني، أصلحه الله، خطة الكتابة.. ثم شفع، عزّ عُلاه، فعهد إلي بسيرة عترته السَّنِية.. بمعنى أن أكتب صحفا مطهرة عن حياة غير مطهرة، وأن أصرف طاقتي، دام سناه، للوشاية والدسائس والاختلاق.. فأنتظر النهار كله، وإن تقضّى شفعته بيوم ثان، وإن لم يسعفه ظرفه، زدت ثالثا، ولِم لا عُمرا، إلى أن يعنَّ يوما ما فأرتمي على قدمه، أو أقبل رجله، وأتشفع به، فيربت علي، وأعلم إذّاك أني قد نلت رضاه، وحزت عطفه، فتهون الدنيا عندي، وأنسى ما كنت أريد بثّه. وما أنسانيه إلا طول الانتظار». هكذا بدأت «محنة» أوريد الثانية مع دسائس زملائه «حاشية الحاكم بأمر الله، أدام الله علاه، كانت تدرك خطورة أن يُسند إليّ تدوين السيرة العطرة، من عوالم عطنة، فجرّدتني من القلم لكي لا أخطّ شيئا، وعهدت إلى بعض الكتبة والنساخين والمتشاعرين والمتصاحفين، في زمن الكمبيوتر، بتدوين ما ينبغي تدوينه وتجميله وتحميله… أتعبتني قصص البلاط ودسائس البلاط».

كل هذا المسار الذي كان فيه اوريد، كما كان المتنبي قطب من اقطاب البلاطات و رجل من رجال السلطة و اداة من ادواة المخزن، كان لابد من ترجمته من خلال هذا القالب الروائي، أوريد كما يذكر كان مستعدا لان يقبل كل شيئ الا إهانته او إذلاله يقول بكبرياء كنت مستعدا لأن أقبل كل شيء، سوى نهايتي أو مهانتي، لأن المهانة نهاية».

 

تحاول هذه الرواية صبر أغوار العلاقات المتشعبة التي تربط البلاطات و مراكز السلطة بخدمها و رجال دولتها ، كانت دوما العلاقة بين الشاعر و السلطان و بالتبع العلاقة بين المثقف و الحاكم محط جدال في تاريخنا السياسي الممتلئ بالمكائد و الذي تزكم فيه رائحة الغدر و الوشاية الأنوف ، يعبر اوريد عن هذه العلاقة بقوله “…ثم لا افهم هذه العلاقة التي تجعل الشاعر لا يوجد الا بصاحب سلطان، و لا يوجد السلطان الا لمن يرفع عقيرته بالمديح له.تبدو لي العلاقة مرضية.

الشاعر يوجد لذاته،معبرا عن شعور عام و عارم، و السلطان يوجد محققاً لمصلحة جماعية، متجاوبا مع تطلعات سارية. حينما يقوم التواطؤ ما بين الشاعر و السلطان، و بالتبعية ما بين المثقف و الحاكم، فمعناه انهما يلتفان على الدور المنوط بكل واحد منها، او يتستران على تقصيرهما.”.ص98.

 

في هذه  الرواية جلد للذات أولاً يقوم به ثم محاولة لجلد هذه المنظومة و تعريتها.  يعترف أوريد بأن السراب، سراب السلطة قد غره و ليس بأول من يغره هذا السراب، هكذا يجيب أوريد عن سؤال حول سبب انثناءه على المتنبي وملازمته؟ تتساءل إحدى شخصيات الرواية هل لتجربته المهنية علاقة بالأمر ، فيأتي الجواب من شعر المتنبي: «إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا.. ألا تفارقهم فالراحلون همُ».

عالم المتنبي كما تركه، الوشايات و الكذب و الافتراء و السِعاية … ”  السياسية في عصرنا صراع و تنافس، ليس في الدهاليز و لا الكواليس، بل في ساحة مكشوفة، حول افكار و تصورات و قدرة على الإقناع.. لكن السياسية عندنا لم تبرح مجال الحاشيات و التزلف و الأكيد و الاختلاق.. تغير شكل السياسية و لم يتغير الجوهر .. و الاسوأ القتل و التصفيات و الغدر. العرب لم يبرحوا العصر الذي توقفوا فيه و الذي صادف زمن المتنبي.  لازال حكام العرب و سلاطينهم يكررون أنفسهم، يوظفون الأمعات و المماليك، و ما يسمون بالصدر الأعظم، و الحاجب ثم ما يلبث هؤلاء ان ينقلبوا عليهم..”.

و كلما قرأت عبارة ” انهم يكررون أنفسهم” تبادر الى ذهني تاريخ طويل من المكائد، اتذكر قصة ابن عامر في دولة بني أمية في الأندلس، يتبادر الى ذهني أيضاً ما قاله صاحب خواطر الصباح المؤرخ عبد الله العروي .اقتطف من مقال سابق كنت عنونته بالعنوان التالي : من أين يتسلل فكر الإصلاح للخاضع للاقنوم !  في هذا السياق كتبت مستعينا بالعروي لتفكيك هذه البنية و هذه المنظومة التي استعصى على الكبار تفكيكها فجعلوها نيشان نقدهم، كتب فيها العروي يقول : ” للمخزن هيكل اجتماعي، يبحث فيه علماء الأجناس، يعتمد علي هيئتين (القبيلة والزاوية)، لكل منهما أشكال متنوعة ووظائف كثيرة.هذا المخزن يتولى القيادة القبلية وسياستها القمعية، كما يتولى الزوايا وسياستها التأليفية، كما يستمد شرعيته الأساسية من وظيفة الإمامة. يتجسد المخزن في فرد هو المولى / السلطان / الشريف / الإمام.

هو سلطان أي أمير، يأمر بالسيف وبالقلم.حوله جيش منتخب من قواد القبائل وكتاب مبرزين من سكان المدن.هو شريف له نفوذ روحي مجرب، ينافس به ويحمي في الوقت نفسه دور العباد وشيوخ الزوايا.هو إمام ساهر علي إقامة الشعائر وإحياء تعاليم الشرع بمساعدة القضاة والعلماء والمفتين والاسم الغالب، لأسباب ذكرناها، هو السيد أو المولى…غير أن الظاهرة الرمزية لا تلغي الواقع الملموس: السلطة بيد رجل يقمع مرة ويؤلف القلوب مرة، بواسطة آليات تتدرج من المرافق التدبيرية (جيش، وزارة، كتابة، عمالة، شرطة، بريد، قضاء، إفتاء، حسبة، إلخ)، إلى الهيئات الاجتماعية (أشراف، علماء، تجار، صناع، شيوخ، إلخ)لتنتهي إلى الأصل والأساس (قبيلة، عشيرة، أسرة).

اللفظ العام الذي يصف علاقة الفرد الحاكم بكل واحدة من هذه الجماعات، على اختلاف مستوياتها، هو البيعة (الدال علي الولاء التام الدائم). اللفظ موجود في كل نظام ينتمي إلى دار الإسلام، لكنه اكتسى صبغة خاصة في المغرب العلوي السليماني وعاد لا يكاد ينفصل عن مفهوم السلطان. من أغمد و كبت أي طموح اصلاحي فيه نفس شبابي هو هذه البنية التقليدية التي لا يمكن بنيويا ان تتعايش مع شيء اخر سوى منطق الرعية و الولاء و الطاعة و ليس واردا في قاموسها مفاهيم الدولة و الحرية و الدمقراطية و ان حملتها كشعارات في مراحل مختلفة من مراحل تطورها ، اننا نعيش كيان تحكمه طقوس سلطانية عتيقة هي اقرب الى تقاليد زاوية منها الى اعرف دولة.” .

مع ما خطه أوريد و ما كتبه العروي تظهر معالم فهم عجز  الشعارات الرنانة المرفوعة في العهد الجديد ببث الامل في نفوس الشباب بمرحة جديدة يكون عنوانها دولة الحق و القانون ؟! كيف غاب صوت الشباب حتى و الملك شاب ، كان الطبيعي ان ترتفع اسهم الشباب و يصبح صوتهم مسموعا في ظل عرش العهد الجديد، ان يصبح هامش الحريات كبيرا، ان يكون الاصلاح حقيقيا و جذريا ، ان يتم تقسيم الثروة بشكل عادل بين ابناء الشعب، ان يحارب الفساد، ان يتم الرقي بالعمل السياسي و تنزيهيه من العبث و الاستغلال و الركوب، ان تكون هناك فعلا دولة للحق و القانون، دولة للمؤسسات، احزاب سياسية مستقلة، انتخابات نزيهة … كيف لكل هذا ان يحصل و الاشارة الاولى من الملك الشاب كما تتبعها بدقة “صاحب خواطر” الصباح لم تكن تشي الا بأن الجالس الجديد على العرش وفي لأعراف سلطانية عتيقة لا يملك الفكاك منها، انها بنية لا يمكن ان يغيرها شاب جديد وافد. دون العروي في ملاحظاته: «صلاة الجمعة. أول خروج رسمي من القصر إلى مسجد السنة حسب التقاليد العتيقة، اللباس سليماني. العربية عزيزية. والعودة إلى القصر على صهوة جواد أسود كما في لوحة دولاكروا.. كانت قسمات الملك الشاب تختفي وتنحل في صورة من سبقه على العرش.. ثم عاد إلى القصر ومد يده للتقبيل»(ص5 ).

هكذا يصور العروي المشهد الأول في حياة محمد السادس بعد توليه العرش.. إنه يستعين بالتاريخ ليفهم كل المشاهد والمظاهرواللباس. إنه يبحث عن أصول لكل شيء في هذا الطقس البروتوكولي، وسرعان ما يجد الامتداد في طقوس الأسلاف السلاطين العلويين، غير أنه يبرر كل ذلك بما يسميه «البحث عن الشرعية»، المتمثل في التشبه بالأجداد، ليخلص إلى صعوبة الجمع بين الخضوع للتقليد والتحديث والإصلاح، مخاطبا الملك مباشرة: «من لا يخضع للأقنوم (الرمز المقدس) لا يكسب الشرعية، وإذا خضعت وكسبت الشرعية من أين يتسلل إلى ذهنك فكر الإصلاح؟»، ثم يعود ليؤكد أن تكهناته ستكون موافقة للصواب، حين يقول (في الصفحة 6): «كل ما قلناه عن الوفاء للتقاليد سيتركز أكثر عندما ينظم حفل البيعة العامة يوم 20 غشت بمناسبة ثورة الملك والشعب”. و كذلك كان ليس فقط خلال حفل الطبيعة و إنما طيلة ” العهد الجديد” .

 

الحر ممتحن بأولاد الزنا، قول اثيل للمتنبي يستدعيه أوريد ليكشف به حقيقة هذه المنظومة التي تركت عنده ندوب الاحتقار التي تترجمها أحرفه في نقضه لعقد هذه المنظومة عقدة عقدة .  كان اوريد يواجه النبذ الذي زعم انه ضحيته بكبرياء المتنبي و أنفته و شعره أيضا، الرواية كلها تعريج على ابيات خالدة للمتنبي يوظفها أوريد ببراعة الضليع باللغة الدارس لشعر المتنبي في سياقات مختلفة، و مما أورده في هذا السياق، سياق عدم قبوله للإهانة و النبد و المهانة : ” لا خير في سجن من ذهب او صفد من لقب . و لا لحياة بلا سرور .. كنت مستعدا ان اقبل كل شي سوى ان أكون مشاركا في وضع حد لي .. الا الهون كما يقول المتنبي :

و مراد النفوس أصغر من ان … نتعادى فيه او تتنافى

غير ان الفتى يلاقي المنايا .. كالحات و لا يلاقي الهوانا. ”

 

أراد اوريد لهذه الرواية ان تكون بوح المنبوذ المحتقر، أراد من خلالها تعرية منظومة التي تعيش تناقضات جمة، كان أوريد  يتعرى ويُعري معه بنية «الأصالة والمعاصرة» التي تؤطر الحكم والحاكمين، من زملائه السابقين، الذين بالرغم من أنهم درسوا في كبرى الجامعات، فإنهم بقوا حراس بنية تقليدية: ” ما جدوى أن تحدثهم عن لوك وروسو ومومنيسكيو؟ هم درسوا ذلك بالجامعة في السوربون وكامبردج وجورج تاون، لكن الجامعة حلم، حلم في الكرى. وما ليس حلما هو طيف الحاكم بأمر الله، دام علاه، وهو طيف الحاجب المنصور بالله، سدد الله خطاه، وهو طيف صاحب الشرطة، المؤيد بالله، ترِبت يداه، وهي الرعية المستكينة لمن اختارته العناية الربانية، فاجتبت لها من يسوسها، وعليها أن تخضع له وتطيعه، لأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية، والعياذ بالله… هكذا، في زمن حقوق الإنسان، وتوازن السلطة، والثورة السيبرنطيقية، تُحكم شعوب بالنزوات والأهواء”.

يحكي أوريد للمتنبي بمرارة قصته فيقول : “..حكيت للمتنبي قصتي ..كصديقين .. كخلّين..حكيت له كيف أني كنت خادما عند الحاكم بأمر الله و قد ولاني، اصلحه الله، خطة الكتابة..ثم شفع عز علاه، فعهد لي بسيرة عترته السنية ..بمعنى ان اكتب صحفا مطهرة ً،عن حياة غير مطهّرة، و ان اصرف طاقتي،دام سناه، للوشاية و الدسائس و الاختلاق..

الحاكم بأمر الله كان مسكوناً بشبح الحاكم بأمر الله و ان تشائي الدقة بطيف الحاكم بأمر الله. الحاكم بأمر الله إنسان ودود،محب للخير ،مرهف الإحساس،قوام على الحق،بر بأهله،عطوف على صحبه. طيف الحاكم بأمر الله سكن الحاكم بأمر الله فأتى الحاكم بأمر الله ما لا يطابق طبعه..و كان طيف الحاكم بأمر الله يملي على الحاكم بأمر الله ، ان يغلظ في القول و يسرف في الفعل و يغلو في السلوك .و يحدث ان يغضب الحاكم بأمر الله،عفوا طيف الحاكم بأمر الله فيهم ما يبدر أمام، و لا يهدأ الا ان تعفّر له الجباه،و تخضع له الرقاب.. لم يكن ليقطع الرؤوس لان الغرب،قبح. الله سعيه، لم يكن ليصمت عن  ذلك..الغرب يتكتم عن عالم الحريم،و لم يكن ليسكت عن قطع الاعناق.

لا بأس بقطع الأرزاق..المفهوم الجديد لقطع الاعناق..

في زمن حقوق الانسان، و توازن السلطة،و الثورة السيبرنيطقية.

تحكم شعوب بالنزوات و الأهواء .”

 

وإذ تعرى حسن أوريد، وعرى البنية التي خبرها جيدا، في هذه الرواية التي استعان فيها بالشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فلم يبق أمامه سوى أن يقترح النموذج الذي من شأنه أن ينقلنا إلى بنية أخرى: «الأمم التي تقدمت تعقبت الأشباح وأزاحتها. الروس قالوا قولتهم، من يخدم القيصر لا يخدم بلده، ومن يخدم بلده لا يخدم القيصر. انتبهوا إلى هذا الأمر المسلّم به، وهو أن البلدان ليست ضيعات شخصية لحاكم أو أمير، يفعل فيها وبأهلها ما يشاء، ويورِّثها أهله».

 

لا يترك أوريد اَي فرصة دون العودة الى الأندلس التي يعتبرها روحا تحتاج الى من يستنطقها ليفهم عنها، يعود الى الأندلس، ليس لاقتفاء شروخ الهوية المترحلة بين الضفتين، كما فعل قبلا في (الموريسكي)، ولكن لكي يدخل المطبخ السري للسلطة، ويبحر في عوالمها ودهاليزها وسحرها. يعود كما عاد في (ربيع قرطبة) الى مطبخ قصور بني أمية في الاندلس، خصوصا فترة  “الحكم” خليفة المسلمين، يحكي و كأنه يقوم بإسقاطات نعيشها،هذا الحكي يتحول في الواقع إلى انسلاخ متأخر من الدثار الثقيل للسلطان ، ومحاولة لاسترجاع قليل من إنسانيته المفقودة! كيف تحول السلطة الحاكم إلى كتلة بشرية منزوعة الأحاسيس؟

يحكي أوريد في رباط المتنبي دائما في سياق هذه التعرية المستمرة للمنظومة هذه المرة من خلال المقارنة مع دسائس الحكم و خلاعة عبد الرحمن : ” ذهبت الى الزهراء.. الى أطلال الزهراء و أعيد  بناء عالمها في ذهني. خلاعة عبد الرحمن وفسولة الحكم، دسائس جعفر خيانة صبح، طموح ابن عامر. كل ذلك لم يكن ماضيا بل حاضرا أعرفه. ماضينا حاضر و حاضرنا ماضٍ.. أتيت للتو من عالم عبد الرحمن الناصر بحشمه و نزقه و حريمه و بطشه، و أني اشتغلت كاتبا في بلاط الحَكم، و أني نفرت من عالم الحاشيات لانني لم اصطبر لتخرصات جعفر و ألاعيبه.. كنت مبرمجاً لأعيد تمثيل مسرحية مكررة. مسرحية يلتقي فيها أمراء خاملون تستبد بهم الخلاعة و يغلب عليهم المجون، و لا يعرفون من شؤون الدنيا الا يبث لهم دهاة من بطانتهم، يكذبونهم ليتحكموا في رقابهم. و لكي لا تنكشف الحقيقية يتعقبون من ينطق باسم الحقيقية. كي يقبروا الحقيقية. و لحسن الحظ ينتصب مكر التاريخ لينسف ألاعيبهم و ترهاتهم..”

 

ان كان لأوريد من ميزة فهو مزجه بين متناقضات صاغة شخصيته و أثرت في تحليلاته، أصوله الصحراوية الأمازيغية الأصيلة التي يشير اليها بادعاءه حمل لواء الفلسفة كما حمله جد الفلاسفة  الأمازيغ أوغستين، و تكوينه العربي و احتكاكه بالثقافة العربية التي تشربها في الصبا في كؤس الشعر حيث درس أمهات كتب الأدب و النحو و البلاغة حتى ملك ناصية اللغة و تشرب ثقافة العرب. رغم انه من بين إشاراته الكثيرة يلمز القوم الذين يدّعون الدفاع عن تعليم اللغة العربية ، وكان من بينهم بعض أساتذته، بينما يرسلون ابنائهم لمدارس البعثات الأجنبية حتى اذا ما اشتد الساعد وُجد ابناء القوم في اعلى الدرجات و هو لم يفعل شيئاً بما عُلمه في ألفية ابن مالك : كلامنا لفظ … كاستقم .

يصرح اوريد انه تدارك هذه الفجوة و لو متأخراً، حين انفتح على الغرب مرتميا في احضان فلسفته التي تشرب منها العقلانية و تتبع مسيرها في التخلص من سلطة الكهنوت و سطوة الميتافيزيقيا، هل لابد لنا ان نسلك نفس سبيلهم اذا اردنا ان نتخلص من الكهنوت و نتخلص من أقانيمنا التي تعيق تقدمنا، لم يكن استجداءه بالمتنبي اعتباطا، كان يرى فيه نيتشه عربيا  ” كنت احسب المتنبي من يمسك مفاتيح الحل لوضع معضل.. كنت أعده نيتشه عربياً .. نيتشه من فصيلة أخرى يحقق الانسان الأسمى يبرئ قومه من لعنة الميتافيزيقيا و التواكل و التفسيرات الغيبية ..”

لقد كان هذا النص الأدبي الرائق مزاوجة بين الماضي و الحاضر، الفكر و الممارسة، في كل مرة تتاح له الفرصة ينتقل الكاتب بسلاسة الى إثارة  نقاشات فكرية كلها تدخل ضمن الإطار العام للرواية، و هو البحث عن داء الادواء و تلمس الأدوية.. في هذا الإطار من القلق و التهمم المستمر الذي لا تخطئ انفٌ رائحت،  حول قضايا العرب و المسلمين حاول، يستدعي الفيلسوف سبينوزا اذ كان يعتبره حلقة أساسية ممهمدة لفكر الأنوار اذ هو الرابط بين عقلانية ديكارت و فلسلفة الأنوار و هو المرحلة الاسياسية للانتقال من مؤثرات الفكر الغيبي الى الفكر الموضوعي، من خلال اعادة  قراءة القراءة الفلسفية للتراث اليهودي. كان السؤال المركزي الذي حاول اريد تتبعه من خلال استدعاء إسبينوزا : ” هل نستطيع نحن من داخل الحضارة الإسلامية تحرير الانسان بقراءة نقدية للتراث؟ كان يبدوا من قبيل التضارب ان يحرر سبينوزا الانسان من خلال تصور جديد الميتافيزيقيا، او فهم جديد للإيمان، او الإيمان بالله بشكل مغاير غير ما حمله الكتاب المقدس . الأخلاق ليست تلك النابعة من النصوص الدينية، او تأويل لها، او ما تفرضه سلطة معينة، بل تلك النابعة من الذات ومن الضمير، و التي يحمل اليها العقل. لا ينبغي و الحالة هذه رفض التراث، او فهم حرفي للنصوص، بل استعادتها.. كانت المقارنة بين إسبينوزا و ابن رشد مغرية و نرى ان ما قام به إسبينوزا هو عين ما قام به ابن رشد في “فصل المقال” من تطابق مصدري الحكمة و الشريعة : الشريعة و الحقيقية. “.  

اوريد تسكنه فكرة مفادها ان نبتة إسبينوزا تحمل اريج الأندلس، وان الاندلس هي تربة العقلانية مع الروح، منذ سينيك الى اورتيكا إي كاسي، مع فكرة العقلانية الحيوية عنه، مروراً بابن باحة و ابن رشد و ابن ميمون وابن طفيل، و أن إسبينوزا لذلك هو فرع من تربة الأندلس اكثر منه من تربة هولندا. كان إسبينوزا من الذين هاجروا او هجّروا من الأندلس لتستقر أسرته بالبرتغال، كان من أولائك الذين حملوا التزاوج بين التراث اليهود و المسيحي ، المُسمّون بالمارانوس. و من البرتغال ارتحلت أسرته الى أمستردام. و لا يزال الكنيس الذي استقبلهم يحمل اسم البيعة البرتغالية، يتحسر أوريد ان اضاع المهجرون كل شي عن عقيدتهم و استقدموا حاخامات من المغرب كي يعلموهم دينهم … يحكي اوريد وقوفه بذات الماكن الذي درج به إسبينوزا، و بنفس المقعد الذي كان يجلس عليه للصلاة او لدراسة التوراة . العلاقة مع الأمكنة وجدانية، الانسان له حس عالي على الاصاخة لها على جمودها و سكونها، انها تنطق بما ينفذ الى الألباب ، بعض الأمكنة لا تعطيك سرها حتى تقف عندها ، سحر المكان و سر المكان هو ما جعل الشاعر قبل الإسلام يقف على الأطلال يبكي و يستبكي، يحدثها و تحدثه ..

كان اوريد يحب من إسبينوزا قولته: ان ما يفضي الى السكينة هو الفهم. و الفهم هو الغائب عندنا لاننا مكبلون بالهوى، مقيدون بالمصالح و تغلب علينا التقاليد، و من دون إدارك لها، و ينوء بنا تقديس التراث من دون نقد له. ليس هناك اداة للفهم سوى العقل و الحرية. الحرية تحرر، عملية اقتلاع كل القيود و العوائق و المكبلات . هذا ما خلص اليه الفرنسي جيل دولوز، و قوله ان فكر إسبينوزا هو تحرير من القس، و من الطاغية و من العبودية. هو تحرير من السلطة الدينية و من الاستبداد، و من إصر العادة، او لذة النوع العابرة. في كاتبه سِفر الثيل جئ السائسين و العلاقة التي يربطها بنوعية النظام و القيم السائدة . النظام الاحادي او الملكي يضمن الأمن و النظام الأرستقراطي يضمن الحرية، و النظام الدمقراطي هو من يضمن الحرية و العدالة، و اذ يضمنهما يضمن من ثمة الأمن و الاستقرار. لا تتطور الشعوب الا ان آمنت بقوة الفكرة، و هي لا تستطيع ذلك الا اذا كانت حرة، و هي لا تكون حرة الا ان عاشت في كنف العدل، وسادتها قيمه و قامت به ميكانيزماته، من دولة القانون و التوزيع العادل للثورة، و الحق في التعليم و الصحة. سيادة هذه القيم تغير طبيعة الحكم ، مثلما ان طبيعة الحكم تسعف في انتشار تلك القيم. الدافع للأمن قد يكون الخوف او الطمع، و هو شعور غير مستقر ، لان الخوف كما الطمع يفضيان الى التمرد، في حين ان الحرية و العدل يقومان على الاحترام. احترام متبادل بين الحاكم و المحكوم، بين الرجل و المرأة ، بين المعلم و التلميذ، بين المواطن ورجل الأمن. توزيع مهام، لا غير ، لذلك ثبتت الأنظمة الدمقراطية لكل محاولات تقويضها و النيل منها، رغم ما قد يبدوا فيها من تحلُل، لان هناك ترابطا بين مكوناتها. لانها تقوم على الاحترام لا على الخوف و الطمع. وقف اوريد على قولة لسبينوزا يقول فيها “ان كل ما يتميز او يتفرد غريب، وجدت تطابقا غريبا مع شطر المتنبي يقول فيه : ان النفيس غريب حيثما كان . ص٥٢”.

 

في رواية أوريد أيضا قلق فكري و محاولة لتفكيك الازمة التي تواجه الذات العربية، يناقش أوريد القضية الهوية اللغوية في تشكلاتها و في علاقتها بالبنية الاجتماعية التي تحملها : ” ليست اللغة وحدها ما يسكننا، بل القوالب الاجتماعية، و العادات و الطقوس. العرب يعيشون حالة انفصام ، العربي يجعل نفسه نقطة ارتكاز العالم. لانه حمل لفترة رسالة، و يحسب انه سيحملها ثانية، كما زعم ميشيل عفلق.

اللغة هي أساس الذاكرة و مستودع التراث اللامادي يقال اليوم و لو ان المصطلح يعود لدفيد هيوم. اللغة هي المفتاح. و لذلك سيظل تراث الحضارة العربية مستغلقا من دون اللغة العربية، و ان ضاعت اللغة ضاع ما حملته من تراث. ضاعت روح حضارة ..”

كان أوريد كمن رفع المتنبي عاليا و اعتبره نيتشه العرب، ليحطه أرضا و يُعرّض به و ينسب اليه سبب المأساة التي نعيشها .. من خلاله يستحضر مآسي العرب و أوجاعهم المثيرة و هو ابن تلك التربة، تربة العراق و الشام ” احب سوريا، او ان شئت احب الشام .. لان لنا بها اكثر من آصرة .الاندلس، و جندنا الذين يرقدون بنجها من قضوا في حرب تلاثة و سبعين . أنا بربري، و يمكن أن استعمل هذه الصفة، و لا يمكنك ان تقولي بذلك و لا اسمح لاحد بذلك. آكل لحمي و لا ادعه لآكل. الصواب أمازيغي، و يحز في نفسي ما فعله بنو أمية بطارق بن زياد. تركوه يموت في سجن دمشق، مثلما فعلت روما بيوغرثن و قد حبسته و لم تطعمه حتى مات جوعاً . هذه أشياء تثقل علي و لا أبوح بها للأحياء .  هل من الحكمة ان أقول للأحياء ما يحمله التاريخ، و للأحياء اهتمامات غير التاريخ..”.

 يستمر أوريد في مسلسل نقدٍ عرى فيه هذه الذات العربية المتأزمة عروة عروة ، لقد اختار تعرية الذهنيات التي لازال تشكل سبب أسقام العرب و علتهم : ” لماذا بحل المتنبي بعصرنا ؟ أ ضاقت عليه عشرة الأعراب و نحر العشار و التكسب بالشعر ؟ نفوره من  ذلك ما حببه الي، لكنه لم يبرأ من أدواء بني جلدته ؛ القول الفخم، والغزو و السبي .. أنا اشمئز من ذلك و انفر، أُنكر خطاباً بلا عمل، و قولا مجلجلا بلا فكر و اكره قتل شاة، فما بالك بمن يجيزون قتل الانسان و يفتون بذلك.. لا يقبل ذهني بالسبي و الفئ و الغزو و الإغارة و النقا، هي أشياء قائمة في الأذهان سارية في الواقع . و هي تسري في الواقع لانها تسكن الأذهان. التاريخ يتقدم من جوانبه السلبية، يقول ماركس. كافر. انْ جعلنا معيار حديثنا للناس ما قالته السماء، او ما وقوّلناه السماء فلن يكلمنا احد، و لن نفهم من احد، و سنظل بحمده و منه، كما نحن، أسوء أمة اخرجت للناس.”.

يتحدث اوريد بلسان العي الذي أسقمه الواقع المرير الذي نعيش في ظلامته يزيد فيما يشبه بوح المكلوم: “أنا لست جلفاً دكتورة.. لي قلب يرق و نفس تأسى . آسى لأهل الشام مثلما بكيت لبغداد حين كانت تلقى بشراء من نار. بكيت حينها دموع حرى. صرخت في شبابي حين شنت امريكا ما أسمته عاصفة الصحراء . كتبت و نددت و تظاهرت. و حين أعلنت الحرب سنة تلاثة و ألفين، انزوت ابكي لأني هرمت ، لم يعد لي الا البكاء ..ذهبت الى زاوية، و تلوت القران مع الفقراء، الفقراء الى الله، و تلوت القران مع الفقراء الى الله، و روتانا سورة الواقعة و قراءة اللطيف و شفعنا بالمنفرجة و الدعاء الناصري..لو يعلم النشطاء الأمازيغيون بذلك لسوف يسلقونني بألسن حداد. للأسف لذى العض منهم عيوب القومين العرب. كما كان العروبيون يحذرون مني ( احذروه  عروبته مشوبة بالأمازيغية، لسانها و ثقافتها و قضايها) ..أنا احمل العروبة لسانا و ثقافة و قضايا .. و احمل الأمازيغية لسانا و ثقافة و قضية .. بكيت لما رأيت علم الاحتلال يرفع في أم قصر و انزويت في زاوية أنشج نشيج الموتور .. لسان حالي يقول ما كان يقوله حزاقيل عن أورشليم، فليقطع لساني ان نسيتك يا بغداد .. اغضب من العرب و ابكي لهم .. زرتها لأني آليت ان لا أنساها .. انسللت الى كربلاء تمسكت بسياج مرقد الامام الحسين و بكيت .. لماذا لا ابكي شخصا يتعرض للظلم و يتعرض على الظلم و يأبى الاستسلام ؟ لم لا ابكي رجلا حرم أهله الماء مبذول الفرات؟ لم لا ابكي رجلاً فتنه الطلقاء ؟ و لم لا ابكي اخاه ابا الفضل، يمثل به؟ ينبغي ان أقول الحقيقة . نعم احب آل البيت، و احبهم لأنني أحبوني. تزوجوا مني . تكلموا لساني . لم يستعلوا علي .. و بؤني الصدارة ، و لم يستأثروا بأمر دوني .. تجدينهم في السوس ، و في الأطلس و في الصحراء .. معاقل بلاد البربر و هذا ما ترجمه اهلي بالنسب الى العترة الشريفة. “

يقول أوريد بحروف متقرحة تحمل آثار ندوب الاحتقار:” أريد لي سيدتي ان أكون على سنن ابن حصن و السميسر و الشاعر المِصقع، سميرا يسامر سامرين ماجنين . يأتون و يؤتون . نسوا او تناسوا اني حفيد لأغسطين، و أفولاي ، و تروتليان ..غرهم ما رأوا من وكس حال أهلي، في الجبال و الصحاري .. غرتهم رقصاتهم البدائية، غرهم ان لسان بني أمي لا يكتب، و نسوا ان روحه تسكنني و هي أعمق من الظاهر . و حيث أنا، و لو في مستشفى المجانين العقلية، او هذا الرباط الذي ربطتموني فيه لن تمر الروايات الرسمية للتاريخ المجيد المرصع بماء الذهب و التي رقمها الكتبة و صاغها الوشاة و نقحها الرواة و تداولها الوراقون و نسخها الناسخون.. أنا لها بالمرصاد،أتربص لكي ألقيها بوابل الحقيقة . حقيقة ما اعرف او حقيقة ما يعرف و ما سيعرف .  كالقناص. يصوب لها فُوهة الحقيقة … اسدد لست مستعجلا ان اجر الزناد .. بل ما الفائدة ان اقذف من يبحث عن حتفه بظلفه؟

آسف لك و لغيرك لن يثمر ربيع العرب .. لان إرضهم قاحلة لم تنبت مونتيسكيو و لا فولتير و لا هولباخ… الحاكم بأمر الله سيتكلم بمنطق الانتخابات الشفافة و النزيهة (  كمنطق طير فريد الدين العطار) و الحاجب سيحدث عن الحكومة الجيدة، و شاعر البلاط عن التواصل، و امين بيت المال عن عودة الاستثمار، و فقهاء السلطان عن البناءالمعرفي و المتن الاديولوجي للمجتمع الحداثي الدمقراطي، و يتوسعون في الوقت ذاته في قواعد التكفير، و السدل و القبض في الصلاة، و أيهما يجيز الإخراج من الملة…ثم جيش من الموالي او المرتزقة من التكنوقراطيين و الخبراء و المتسلقين .. و هم لم يبرحوا العصور الوسطى و لو أنهم لبسوا قناع العصور الحديثة و كذبوا الناس ووثقت فيهم الناس . استعانوا بالسحرة و الامّعات و المافيوزيات و الشبيحة و المُطوعين و المشاورية الجدد و المْسخرين الجدد ..و ساعدهم في ذلك اجهزة أمنية انتقلت من خادم الى ربة البيت .

الترك . وضعوا حدا لنزق التاريخ، و ذهبوا في التحديث ابعد مدى و ادّوا الضريبة .. العرب لا يريدون ان يؤدوا الضريبة . لا يستطيعون لانهم ان قطعوا حبل السماء انقطع سؤددهم و غار تميزهم .. من أطاع ولي الامر فقد أطاع الله و من عصاه فقد عصى الله و ماذا يتبقى الا ان يقلب المرء الطاولة فيتعرض إذاك لغضب الله … و مشكلتي أعوص من بني يعرب، لأني لست عربياً، و بث في ذهني اني عربي .. كالقصة الشعبية ان شخصا اعتقد انه حبة قمح، و خشي ان يخرج من بيته كي لا يلتقطه الديك .. وسعى أهل الدار ان يقنعوه انه ليس بحبة، و اقتنع لعد لأي، و لكنه لم يجرؤ ان يخرج من بيته فسألوه عن ذلك، فما كان جوابه الا ان قال لهم لأنِ اقتنعتُ فهل الديك اقتنع ..  على العرب ان يحلوا مشاكلهم الوجودية، و لكي اتعقبهم تعقب المولى يتبع سيده، و ان لم يحلوا قضاياهم رضيت بوضعي الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولاً..أنا عبد لأني مستعبد و مستعبد لأني عبد.. و لا عدو لي الا اخي الذي يزايد علي في العبودية.”

الرواية، التي تدور أجزاء كبيرة منها في مستشفى للأمراض العقلية، تكشف صفحاتها الأخيرة أن المارستان ليس سوى كناية عن وطن جرى تخدير مواطنيه: «إنكم ترتكبون جريمة في الرباط في حقّ نزلائكم بتخديرهم. ولم أكن أعرف ذلك إلى أن التحقت بالمجانين، ووجدت أنكم من خدّرهم». كانت هذه التحفة الروائة كما اراد لها أورد بوحا تحكي حروفها  وجع ندوب الاحتقار اختار أوريد ان يجعلها محاكمة جماهيرية لمنظومة و بنية تقليدانية في لبوس معاصر. لقد كان أوريد يعرف جيدا الرسائل التي أراد ايصالها و لم يكن عبثا ان اختار ان يبدأ الرواية بالمقولة الشهيرة لوليام شيكسبير في خالدته هاملت، :

Though this be madness, yet there Is method in’t

Shakespeare,Hamlet.

 

.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: