صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

“هل ستقلب كورونا الطاولة: من غرب أمريكا نحو شرق الصين؟” بقلم محمد الجهبلي

بقلم: محمد الجهبلي- عضو قسم التنظيم المركزي لمنظمة التجديد الطلابي

عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، لازالت الأوبئة تبين قدرتها على تحدي الأنظمة كما لم تفعل الحروب، رجوعا إلى الوراء خلال العصور الوسطى مع انتشار الأوبئة في أوروبا، كانت بدايتها الخطيرة مع مرض الجدري، الذي أدى الى مقتل ملايين الأشخاص وإصابة ملايين اخرين بالعمى، ويعتقد عموما أن الجدري كان السبب وراء سقوط إمبراطوريات الأزتيك والإنكا. وكانت آخر حالة للجدري في العالم سنة 1977 في الصومال. وفي عام 1980 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن العالم أصبح خاليا تماما منه. وفي منتصف القرن 14 نذكر جيد ما قاله الكاتب ريتشارد باور سيد عن الطاعون في تلك الفترة ” قتل -الموت الأسود- ربما ثلث سكان أوروبا” الشيء الذي كان سببا في انهيار النظام الاقطاعي ببريطانيا، هكذا هي الأوبئة تغزو كل شيء لا تفرق بين أوروبي وإفريقي، ولا بين أمريكي وصيني، كانت العديد منها –الجدري، الحصبة، الملاريا، الانفلوانزا الإسبانية…- التي مرت عبر التاريخ، هدمت وغيرت خرائط سياسية ومالية، واليوم نسجل اخرها فيروس كوفيد19 المستجد لسنة 2019.
أمريكا
في علم الإدارة -القيادة على وجه الخصوص- عند حدوث أي مشكلة، يتجه العامة إلى القائد ليدلهم على طريق الصواب نظرا لما يمتلكه من خبرة، اليوم كل نظرات الدول تتجه نحو أمريكا باعتبارها قائدة العالم والأفضل فيه، لكن ماذا عنها هل استجابت لتطلعاتهم؟
منذ بداية أزمة كورونا، الكل يلاحظ تصرفات إدارة الترامب، وهي لم تكف عن توبيخ الصينين بكل ما تملكه من قوة كونها أصل ظهور الوباء، لم يرى لها أي تدخل في معالجة الأمر والسيطرة عليه منذ بداياته، الشيء نفسه فعلته أوروبا مع العالم، فقد أصبحت تشاهد الصين وهي تتلخبط في أزمتها، إذ أصرت أوروبا على إنجاح مواسم كرة القدم، حيث المقاهي الممتلئة والجماهير المشجعة، لا تستشعر أبدا بذرة من الإنسانية تجاه الصينيين، حتى أننا رأينا احتقارهم بعبارات قدحية في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى خروج صينيين بفيديوهات تدعوا للشفقة، تجاه العنصرية الصارمة التي تعرضوا لها، باختصار أوروبا كانت حينها في قمت الإستهتار، وبعد استشعار بعض الدول بالمرض، وكأن الإنسانية اقتلعت من قلبها فقد أغلقت أبوابها ولم يرف لها جفن حتى في إرسال بعض المساعدات.
أميركا لعبت الدور نفسه بعد أن حلت كورونا بأوروبا، فقد أغلقت الطريق عنها وتكممت في قارتها، وظهر الوجه الحقيقي للرأسمالية التي تفضل الإستثمار عن الإنسان، الإستثمار في كل الملفات، الإستثمار في الحروب، الإستثمار في نهب دول الخليج ، الإستثمار بقطعة من كبد الفلسطينيين -اخرها صفقة القرن-، الإستثمار في كل وبكل شيء، حتى أنه خرج مسؤول ألماني يتحدث عن تمظهرات جديدة للسرقة – القرصنة الدولية العلنية الساذجة- ، متهما الولايات المتحدة الأمريكية بقرصنة كمامة طبية كانت متجهة نحو ألمانيا، ما تسبب في خلاف ديبلوماسي كوروني أمريكي ألماني– أمريكا لا تنظر إلى البشر إلا في أمريكا، أما الباقي ربما جمد، ربما شيء اخر- وليس فقط، بل أيضا ازدادت درجة حرارة أمريكا أدت إلى فقدان السيطرة -لا تفرق بين رأسها ورجليها- حتى أنها هددت الهند بقسوة لتجبرها على قرار رفع حظر تصدير دواء هيدروكسي كلو روكين، مما يدعوا لتسائل، لماذا أمريكا قطعت جميع المنابع التي تتوفر عليها قبل أن تصلها الجائحة، لكنها اليوم تسلب حقوق الدول بعد تهديد الهند، ومحاولة شراء شركة كورفك الألمانية، التي تعمل على تطوير لقاح كورونا، وترحيب بكل الأطباء في العالم للهجرة إلى أمريكا وسط أزمة القطاع الطبي الحاصلة…
أوروبا
في يوم 20 ماي 2020 قال رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب ” إن الإتحاد الأوروبي لم يكن بالمستوى المطلوب في مواجهة أزمة فيروس كورونا”، ومن الواضح بعد الرجوع إلى بداية الجائحة في إيطاليا، كيف كانت فرنسا تغلق على نفسها، وألمانيا تسد أبوابها تجاه الجميع، وهذين الدولتين اللتان تعتبران القويتان اجتماعيا واقتصاديا داخل الإتحاد الأوروبي، إضافة إلى عدم تدخل هذا الأخير في حل الأزمة منذ بدايتها، مما أدى إلى تفشي المرض في باقي دول الإتحاد: إسبانيا، فرنسا، ألمانيا وغيرها. الملاحظة: أن كل دولة من الإتحاد الأوروبي أصبحت منكمشة على نفسها، حتى أصبح بعض الدول من أوروبا يطلبون مساعدات من الصين التي لطالما اتهموها بالإستبداد، وانتقدوا سياستها في جل اللقاءات الدولية، وقد خرج رئيس جمهورية صربيا يقول “التضامن العالمي غير موجود، التضامن لقد كان هذا قصة خرافية مكتوبة على ورق”.
الإستنتاج الأول، أن النزاع حول التجارة الدولية الذي كان قبل كورونا بين ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، كان مضمرا تحت راية الإتحاد الأوروبي، لكن كورونا كشفت الواقع -وضحته قبل- وكما يقول المثل “الصديق وقت الضيق”، فكل التمثلات الحميمية التي كانت تبدوا بين أوروبا وأمريكا قد كشف أمرها، وأمر تضامنهما وتراحمهما المزيفان اللذان لا يتركان مجالا للشك، حتى نتأكد من الشقاق الكوروني الحاصل بينهما بسبب الكمامات.
الإستنتاج الثاني، أن كل دولة أوربية تضمد جراحها بنفسها، وكل دولة منها تتجه نهجا لا يتناسب مع روح الديموقراطية الغربية والحرية الفردية، وأن كل منها سيعتمد بشكل أساس على فكرة الحدود الوطنية وتعزيز القومية.
روسيا
لم تفلت هي الأخرى من حالة الهلع والخوف داخل حدودها، رغم احتياطاتها المبكرة، إلا أن الحرب مع هذا الفيروس من نوع خاص، لا يشبه حفتر للتفاوض معه، فلم يستثنيها من إغلاقها للمدارس والجامعات وحظر التجوال، لقد اتخذت إجراءات صارمة للمكافحة، إلا أنها تعاني بشدة من التفشي السريع للفيروس، حتى أنها ركبت قطار الدول المتأزمة ، ورغم كل هذا، إلا أن روسيا لعبت على الوتر الحساس في ظل هذه الازمة، وذلك بإرسال مساعدات الى إيطاليا تتكون من مواد طبية وأطباء، لمد يد العون وتعزيز التضامن الروسي تجاه أوروبا، ولم ينكفئ القيصر -بوتن- على ذاته منذ أول لحظة، كما فعلت أمريكا وأوروبا تجاه الصين وكما فعلت أمريكا تجاه أوروبا.
الصين
“ولدينا الكثير من الأمل بالطرف الوحيد الذي يمكن أن يساعدنا في هذا الظرف الصعب هي جمهورية الصين الشعبية” هكذا قال رئيس جمهورية صربيا، إضافة إلى طلبات فرنسا للمساعدة من الصين، حيث هذه الأخيرة أكدت كامل استعدادها لمساعدة جميع الأطراف، بما فيهم الولايات المتحدة الامريكية -التي كانت تمارس كل أنواع القمع على الاقتصاد الصيني: منع شركات الهواوي من استعمال ميزة الاندرويد، التهديد بالرسوم الجمركية…-.
لقد أخفت الصين حقائق الفيروس عند الأشهر الأولى من الوباء، وهذا ما جن جنون الولايات المتحدة الأمريكية، مما أدى إلى الزيادة في تفاقم العلاقة الصينية الأمريكية، وإلى انتقاد من جهتها جميع سياسات الصين تجاه مكافحة كورونا، ولم تكتفي أمريكا بهذا، بل تسعى وراء طلب تعويض منها عن الخسائر التي سببتها الجائحة، لكن السؤال المطروح اليوم هو هل قيادة العالم الأمريكية لا زالت في حظها بعد فشلها في مواجهة الأزمة؟ – قد وصف دونالد الترامب الجائحة “بالكارثة التي حلت بالولايات المتحدة الامريكية”، فقد خربت كل خططه التي كان يعتمد عليها بالأساس، والتي تتجه كلها نحو ملف الاقتصاد ونموه، لكن سرعان ما أطاحت كورونا بكل ما بناه خلال ولايته، بل تجاوزت الاقتصاد ليصل الإنهيار إلى المجال الصحي والإجتماعي والسياسي-، وهي التي تعتبر أحسن وأفضل دولة في العالم، والتي تتوفر على أرقى المختبرات الطبية وأجودها، والأفضل في إدارة السياسات النقدية. هذا ربما هو المحدد لحياة سلطة أمريكا بعد تجاوز الأزمة، وعوض السعي وراء اختلاق شقاق حاد لها بين أوروبا وبين الصين، لابد من تظافر الجهود كما دعى رئيس الأمم المتحدة عقب اللقاء الأخير لمحاربة الجائحة.
تسعى أمريكا إلى بث سمها –كورقة ضاغطة بعد أن حاصرها الفيروس- حتى يبقى شعار ها أنا ومن بعدي الطوفان شعارا راسخا معبرة عنه ب ” أمريكا أولا”، بينما الصين تنشغل بالإستثمارات وإرضاء طلبات الدول، والتضامن معهم بإرسال مساعدات طبية، إلى جانب فتح مصانع هائلة، لتوفير الكمامات الكافية، وأجهزة تنفس ترضي جميع الحاجيات، مما قد يجعل الصين المنتج الطبي العالمي بعد تجاوز الأزمة.
إذا كنا نقارن بين الصين وأمريكا في التعاطي مع كورونا فهو لا يجوز سطحيا، ذلك أن الرئيس الأمريكي لا يستطيع توقيف أو فرض أي شيء على رئيس ولاية من ولايات المتحدة الأمريكية بدعوى الحرية، عكس الصين باعتبارها قمعية، فهي ستنضبط كلها بمجرد قرار واحد من رئيس البلاد، لكن السؤال هو لماذا تهدد أمريكا الهند لاتخاذ قرار رفع المنع عن تصدير الدواء –حتى وإن وجد تبادل حر- أليست الهند دولة من حقها حماية مواطنيها أولا؟ أو الحرية تتمثل فقط من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وغير ذلك خذ ما شئت؟
هل تحقق الصين المقولة المغربية ” من الحمارة للطيارة” من أكبر ضحية إلى أكبر منقد للعالم؟ وهل صعود الصين كقوة عظمى يعني توجه جديدا ينبني على التضامن والإنسانية تجاه الفقراء، خاصة بعد النمو الملحوظ لتركيا والتي بدورها أرسلت مساعدات طبية إلى إسبانيا وإيطاليا، أم ستنطبق المقولة المغربية “منين وصل للمنبر رجع إبليس كينهي على المنكر”، فقد سئم العالم من السياسات المتوحشة، لاسيما تلك الموجهة للدول العربية والتي لا تكون من نصيبها إلا القاسية: من حروب واغتصاب للإنسانية وحقوق البشرية جمعاء…
لا بد أن نتساءل أيضا عن دور المنظمات العالمية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لإنقاذ البشرية؟ ما أهميتها إن لم تكن مساعدات تكفل جميع الدول الأعضاء؟
أين هو العالم العربي من هذه اللعبة الدولية أم سيبقى دائما في الدرج يلعب دور المتفرج، كما كان سابقا أمام انقسام العالم إلى جزئين شرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي والصين وغربي على رأسه أمريكا ودول أوروبا؟
تغيير القيمة الإستراتيجية للأشياء
عند ذكر السلاح، يتباذر إلى أذهاننا أمريكا العظمى، وكيف تزود العالم بالأسلحة، حتى أن ترامب يدعوا الأمريكيين لتوفير على الأقل سلاح داخل كل منزل، باختصار لقد صرفت أموال طائلة على الأسلحة الأمريكية، هي تبيع والدول الأخرى تشتري الكثير والكثير منها، وكيف أيضا أن العالم كان يتصارع من أجل الذهب والنفط والغاز الطبيعي، حتى أنه أصبح اليوم متروكا يفيض على جوانب سفن العالم، يقول الكاتب روتشير شارما في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز في شهر مارس من العام الجاري” المخاوف تتزايد من انهيار الطلب مقابل وفرة العرض وإغراق السوق. فقد انخفضت أسعار النفط إلى ما دون 35 دولارا للبرميل، وهو مستوى يعدّ متدنّيا للغاية بالنسبة للعديد من شركات النفط التي تسعى لسداد ديونها وفوائدها”، وكيف افتعلت أمريكا حروبا-مما لا يدع للشك لصالح شركات السلاح ولصاح أعداء الوطن العربي أو بعبارة أخرى لصاح شركات النفط في تدمير بلدان أصل الموارد للاستحواذ عليها- دمرت اقتصادات بلدان، وهدمت هياكل وبنيات سياسية لدول أخرى، وكيف تركت ليبيا اليوم عمياء تبحث عن قشة للتمسك بها حتى تسترجع حق كلمة دولة، وكيف تسببت في موت ملايين البشر من جهة دون أخرى، وكيف عانت فلسطين أطفالا وشبانا وشيوخا، وكذلك في سوريا، وفي الشرق الأوسط، وفي فنزويلا، وفي أفغانستان وفي المكسيك،… لكن اليوم كلنا أمام حرب عادلة تكشف نيات كل الأنظمة والدول، لاسيما أولائك الذين يدعوا الخير للبشرية، حرب تثقل كفة الميزان لمن يستحق، ترجع كرامة العلم والتطبيب، لا العسكر ولا الفنانين التافهين الذين خنقتهم أوسمتهم وامتيازاتهم داخل بيوتهم خائفين مرتجفين، صراع من يمتلك كمامات طبية أكثر وأقنعة تنفس طبية أوفر وقطاع صحة اقوى.
فهل العالم الذي يعد الإستثمار والربح من أساسيات أولوياته، سيقلب الطاولة ليصبح الإنسان وكرامته من أساسياته اليومية؟ وهل العالم الذي فضل السلاح والحروب على الطبيعة سيتغير ليفضل العلم والتضامن على القمع والظلم؟

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: