صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

هل يمكن تطوير خلافة على منهاج النبوة؟

توفيق الفلاح

روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.

لقد أخذ هذا الحديث النبوي الشريف جزءا مهما من خيال عدد غفير من علماء الإسلام في محاولة فهمه وإسقاطه على الواقع وأحداثه التاريخية منذ أمد بعيد، كما هو الحال مع أحاديث أخرى اجتهد فيها المجتهدون لإيجاد مطابقتها للواقع ووصفه، كحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة وغيره.
والملاحظ هو التباين الكبير الحاصل في فهم الحديث الناتج عن التعسف في تنزيل مضامينه بما يخدم منحى محددا من المشاريع أو الأفكار السياسية المُسبقة. وهذا الأمر ظل هاجسا رافق خيال جُل الإسلاميين المُعاصرين إلى وقت قريب وفئة مُقدّرة منهم إلى حُدود اللحظة. وإن كان هذا الأمل في أن تصير أحوال الأمة إلى خلافة على منهاج النبوة أملاً مشروعًا بل مطلبا إسلاميا أصيلا، باعتبار أن الطريق الأقوم للمسلمين في تحقيقهم لغاية الخلق والإيجاد والاستخلاف في الأرض وإعمارها يتمثل في تمسكهم بـ “منهاج النبوة” في كل شؤون حياتهم؛ في الاجتماع والسياسة والاقتصاد وكل المناحي الحضارية. إلا أن هذا الأمل ينبغي أن يُحركه وعي عميق بالمبادئ الكبرى التي يرتكز عليها النظام السياسي في الإسلام من جهة وبين واقع اليوم ومستجداته ونُظمه وعلومه وتجاربه والتي يُمكن للقيم المرجعية المؤطرة للفكر السياسي الإسلامي أن تكون السبيل في توجيهها وتسديدها والإشراف عليها بالإبقاء على ما يصلح منها وتنقيحه وترك ما لا يمكن الاستفادة منه أو ما لا يصلح منه.
فالنظر العميق المرتكز على هذين البُعدين: فقه النص، وفقه الواقع، هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الدوامة الجارفة التي ارتهن فيها الفكر الإسلامي السني والشيعي على حد سواء، باجترارهم السعي إلى إعادة إنتاج نفس النظم التاريخية دون إدراك للأبعاد الحضارية التي نشأت ضمنها وتطورت، أو بتقاعسهم وإحباطهم من السعي إلى إقامة حكم إسلامي راشد على منهاج النبوة ! لأن ذلك لن يصير في نظرهم إلا قبل قيام الساعة !
فبالعودة إلى النص ودون الغوص في تفاصيل الفهم القاصر لعدد من الإسلاميين لهذا الحديث الشريف والتي أَورد الملاحظات عليها بدقة ومنهجية جيدة الدكتور أحمد الريسوني في مقال له بعنوان “قراءة جديدة في حديث الخلافة والمُلك” فإنني أضيف الملاحظات الآتية:
أولا: قول رسول الله  ” … ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” ولم يقل ثم “تعود خلافة”، فلفظ “تكُون” أي تحدث بعد أن لم تكن، وكان هنا بمعنى صار، كقوله تعالى: “وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا”، أو قوله: “وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا” أو كقوله: “إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” قال ابن عاشور: أي صار كافرا بعدم السجود، ضمن ما ذكر من أمثلة للمفسرين الذين جعلوا كان بمعنى صار.
فالتكوين هنا “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” هو لنظام سياسي جديد هو “خلافة” جديدة أي نظام سياسي يلائم ظروفه التي نشأ فيها ويسير سير عصره لكنه على منهاج النبوة.
ثانيا: قال  “..ثم خلافة على منهاج النبوة” فهي على منهاج النبوة أي على طريق النبوة تتلمس القيم والمبادئ التي وضعها النبي  للسير عليها، “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”. فالشريعة الإسلامية لم ترسم نُظما تفصيلية للحكم بل وضعت الأسس والمبادئ وكليات القيم السياسية التي ينبغي الالتزام بها. كمبادئ العدل، والشورى، والسيادة للأمة، والشرعية …الخ. أما تطبيقاتها العملية فتبقى حسب تغير الظروف والأحوال بناء على إعمال الأمة لعقولها واجتهادها في تنزيل تلك القيم على شكل آليات وتنظيمات ومؤسسات وأفكار.
ثالثا: كل “خلافة” جاءت بعد وفاة رسول الله  اعتبرت نفسها خلافة على منهاج النبوة، وإن استثنينا فترة الخلفاء الراشدين باعتبارها محل شبه إجماع بين جماهير المسلمين، فإن الغالب الأعم من فترات التاريخ الإسلامي طبعها الاستبداد وغياب روح الشورى وانتشار المظالم وتزكيتها من ولاة الأمر، رغم انطلاق دعوتها من كونها إعادة للخلافة على منهاج النبوة، فمن الذي يضمن بعد 14 قرنا أن لا يصير الداعي إلى “الخلافة على منهاج النبوة” بصورتها الكلاسيكية ملكا عضوضا أو ملكا جبريا؟

أما بالنظر إلى العصر، فإننا نرى اليوم كيف تنمو الأفكار وتسيطر القيم وتنغرس المبادئ ذي الأصول البشرية في عالم اليوم، وتؤمن بها دول وتُصدَّر إلى أخرى وتصير عالمية. دون أدنى وحدة سياسية تحت سلطان أو إمبراطور كلاسيكي واحد! فها هو الغرب ككيان حضاري موحد يخاطب العالم بالمبادئ الكبرى نفسها ويلتزم بالخطوط السياسية العريضة التي تتوافق ومبادئه ومصالحه، حتى صار العالم لا يبني علاقته مع وحدة من وحداته إلا ببناء خط سياسي يتوافق مع نموذجه الكلي وينظر إلى أجزائه من خلال كله! هل يمكن أن تكون مع “إسرائيل” دون أن تكون مع أمريكا؟ هل يفهم الغرب أن تتحالف مع إيران وتبقى صديقا للغرب؟ هل يُتخيل مثلا أن يقع انقلاب عسكري في إسبانيا مثلا أو فرنسا ولا يتدخل الغرب لإفشاله وإنقاذ الديمقراطية المهددة؟
إن هذه القيم الجامعة هي التي تنبأ بها رواد حركة النهضة المسلمين، وأبرزهم الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري قبل حوالي قرن بالتمام -قبل أن نتلوث كليا بالغزو الفكري ومجابهته ونرتهن بالرد بمنطق سجالي معه ومع أطروحاته ومتبنيها داخل أوطاننا-، إذ أكد أن الوحدة الإسلامية لا شكل محدد لها، وأن عالمَ المستقبل (أي عالمنا اليوم نحن لو نعقل أو نسمع أو نقرأ) هو عالم التكتل والاتحاد بين الدول التي تجمعها أصول حضارية واحدة (هذا قبل فكرة الاتحاد الأوروبي)، تحت مظلة “خلافة على منهاج النبوة” هي خلافة لا ترتهن للأشكال وتتجمد تحت المسميات وتتوقف عند الاستعراضات والشكليات، بل خلافة عبارة عن “عصبة” عدل كلها ورحمة كلها، أسسها الشورى والعدل والحرية وباقي أمهات القيم السياسية التي جاء بها رسولنا الكريم وشرعنا الحنيف.

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: