صوت الجامعة المغربية
- الإعلانات -

“المنسيون” القصة الحائزة على المرتبة الأولى من مسابقة حبر الوباء

بقلم: محمد البزضوضي- طالب بشعبة القانون بجامعة عبدالملك السعدي

في مدينة مزدحمة ذات الشوارع الواسعة التي لا تهدأ ليلا ولا نهارا ، محلات كبيرة و مباني عالية و الطرقات تغزوها السيارات و المشاة الكل يسري لعمله أو يقتني حاجياته و الآخر يجتهد لجلب لقمة عيشه ، كانت المدينة لا تهدأ أبداً فضجيج الحياة يكسوها .

و بين هذه الشوارع و المباني العالية و الأزقة تجد زقاق ضيقاً مظلما لا تكاد تدخله الشمس، جدران رمادية باردة و حاويات القمامة ، انه مكان رمي القمامة في هذا الحي و هنا قطعة من خشب الذي لم يلاحظ أحد أنها مسكني و مبيتي مع صديقي أحمد، نعم إننا نعيش هنا في هذا الزقاق الذي تنعدم به الحياة ، فلقد ساقنا القدر إلى هذا المطاف المؤلم .

كنت أعيش حياتي كأي طفل فكيف وصلت لهذه الحالة ؟

لقد توفيت أمي بعد أن سلب المرض حياتها و تركتني في سن الثالثة عشر ، لقد ذهبت و أنا مازلت في منتصف الطريق تائه لا أجيد طريق العودة و أجهل طريق الذهاب .

لقد تزوج أبي … كنت أظن أن أمي عادت إلى البيت و ستضمني زوجة أبي كما كانت تفعل أمي، و لكن كان هذا مجرد حلم لن يتحقق أبدا، لقد ذهبت أمي و ليس لي أم بعدها لقد رحلت و رحل معها كل ماهو جميل ، لا حضن ولا دلال بعد الآن، هكذا كانت تقول لي زوجة أبي .

و أين أبي ؟

إنه يعمل ليلا و نهارا يأتي متعبا و لا يهتم لتفاصيل يومي التي كنت أعيشها ، كان يظن أنه وجد أما مناسبة لي ، تمر الأيام و صرت لا أستطيع تحمل كل تلك القسوة التي عشتها مع زوجة أبي ، لقد نفذ صبري و هربت من البيت ، نعم لقد هربت فشارع كان لي مأوى و دافئا أكثر من بيت أبي ، إلى أن وجدت نفسي في دار الأيتام فلقد تم أخذي إلى هناك بعد أن وجدتني الشرطة و لم أبوح لهم بشيء رغم كل محاولاتهم بإغرائي و إكتفيت بقول أنه ليس لي بيتا . الشرطي : أظن أنه يحمل نفس المواصفات الطفل الضائع سنتصل برجل ربما يكون إبنه .

يا الله أظن أن أبي أبلغ الشرطة بضياعي و سيأتي ليرجعني إلى ذلك البيت المشؤوم ، يا الله لا أريد الرجوع .

لقد جاء الرجل سمعت صوته و لم أستطع تميزه إن كان صوت أبي أم لا ، إلى أن دخل الرجل علي… تأمل بي ثم قال بحزن إنه ليس إبني … كنت أظن أن هذا الكابوس سينتهي و أنني سألتقي بإبني ، ضمني و هو يبكي بحرقة لا تخف يا صغيري ستجد أهلك عما قريب . و أنا أقول في نفسي الحمد لله إنه ليس أبي ، أظن أن أبي لم يكترث لأمري كثيرا و لن يبحث عني كما يفعل هذا الرجل من أجل إبنه .

لقد تم وضعي في الميتم لم تكن دار الأيتام بيتا لي و لكن كانت أفضل لي من بيت لا توجد فيه أمي ، أكملت عيش حياتي الشقية بين جدران الميتم المليئ بالأطفال مثلي و قصصهم تشبه قصتي و منهم حتى لم يذق معنى العائلة أو الحنان فلقد فتح عيناه في هذا البيت و صدم بأيام الحياة الصعبة ، و هذا كان قدري أيضا فلا أختلف كثيرا عنهم، و هنا تعرفت على صديقي أحمد لقد كان بمثابة أخا لي و تشاركنا مع بعضنا البعض الألم و الحزن و كنا نبني أحلامنا لحياة أفضل فهذا كان أملنا .

لقد كبرنا حتى وصلنا لسن الثامنة عشر تمسكنا بدراستنا فهي منفذنا الوحيد للخروج من حياة البؤس و الحرمان . و وصلنا لمرحلة البكالوريا حاولت أنا و صديقي أحمد أن نبذل جهدنا حتى نستطيع مواصلة حياتنا بعيدا عن هذا المحيط و خاصة أننا بعد هذا السن لا نستطيع المكوث في الميتم و سنتوجه إلى الحياة العملية ، و لكن هاهو الحظ يخوننا مرة أخرى و تسلب الحياة منا حلما أخر لنواجه قدرنا المشؤوم ، فلم نتمكن من النجاح في امتحان البكالوريا و وجدنا أنفسنا في الشارع مرة أخرى فالميتم لن يكون لنا بيتا بعد الأن لقد كبرنا و علينا تحمل المسؤولية . و ها أنا جالس هنا على قطعة الخشب هذه أرتاح بعد عمل شاق ، انتظر صديقي أحمد ليأتي معه بقايا طعام المطعم الذي يعمل به نادلا ، لنسد جوعنا به .

بالنسبة لي ليس لدي عمل ثابت و لكن أجتهد لأكسب لقمة عيشنا ، في العادة أعمل حمالا في ورشات البناء ، أو أساعد عمي صالح الخباز في توصيل طلبات الخبز إلى أصحابها ، لقد كان عمي صالح بمثابة أباً لي فلقد كان يقدم لي النصيحة و يد العون الذي كنت افتقدها من أبي، رغم أنه كان يجهل قصتي و كنت حريص على إخفائها فلا أريد الشفقة من أحد . و تمر أيامنا و نحن على نفس الحال و لقد استيقظنا مجدادا على ضجيج المدينة لنبدأ يوما أخر نسعى فيه للبحث عن ما يسد جوعنا . أحمد استيقظ يا أخي سوف تتأخر عن عملك و سيوبخك سيدك كالعادة . أحمد : أنا لست نائما و لم أستطع النوم في هذا الجو البارد . ستفرج يا أحمد ستفرج ، و نطلقت إلى دكان عمي صالح ، و كأن شيء غريبا يحدث اليوم ، الكل يتحدث … كورونا كورونا ، إنه فيروس قاتل يجتاح العالم ، لقد بدأ في الصين و الأن يغزو العالم كله ، إن العالم يفقد السيطرة و حصيلة الوفيات تتزايد يوما بعد يوم ، ثم يخاطبني عمي صالح لابد أن نأخذ الحيطة فمدينتنا اليوم تسجل أول حالة .

لقد كنت غير مبالي بهذا الموضوع و لم أتهم به كثيرا ، و راحت الأيام تمر و تزداد حصيلة ضحايا كورونا يوما بعد يوم و أصبحت كورونا الموضوع الرئيسي في كل المحدثات و البرامج، إلا أن صدر الخبر العاجل …. إلتزام البيوت و الخروج إلا لضرورة، لا عمل ولا تجمعات فالفيروس تفشى و صعب السيطرة عليه .

ماذا ؟ نلتزم البيوت لا يعقل هذا، كيف سنعمل يا عم صالح ؟

العم صالح : نعم لابد من ذلك يا بني فالوباء بات خطرا يهدد حياتنا ، علينا ان نتبع القوانين فهذا لصالحنا من أجل حماية أنفسنا و غيرنا ، لا يجب أن نهلك أنفسنا بأيدينا ، هل تسمعني يا بني ؟ يبدو أنك منشغل البال .

-نعم أنني انصت إليك يا عماه .

العم صالح : لا تقلق يا بني سأعطيك مصروفك ليسد حاجاتك في هذه الأيام و أعتني بنفسك جيد .

شكرا لك أطال الله في عمرك و جعل هذا في ميزان حسناتك …

مشيت ذاهبا إلى … إلى أين ؟ ليس لدي بيت، ماذا يعني الحجر في المنزل؟ لقد نسيت حتى تفاصيل البيوت من الداخل، لقد أصبح لي البيت و كأنه عالم غريب لي أجهل لذته . ذهبت و استلقيت على لوحتي ، الحجر المنزلي هههه عن أي بيوت يتحدثون ، هل الكل يعيش في بيوت دافئة ؟ هل الكل يملك بيتا يأويه ؟

أحمد : أسمعت خبر اليوم ؟

هاقد جئت أخيرا ، لماذا تأخرت ؟

أحمد : لقد أمرني سيدي بتنظيف المطعم لأنه سيغلق إلى أن ينتهي الحجر الصحي ، أين مصيرنا الأن يا أخي لابد ان تنفذ النقود التي معنا و كيف ستمر علينا أيام الحجر في هذا الزقاق الرمادي الكئيب … حتى شوارع المدينة التي لم تهدأ أبدا يسودها هدوء مريب فالكل في بيته ، و أين نحن ؟ إننا هنا في الشارع .

نعم فهذا هو بيتنا يا أحمد أنسيت؟

أحمد : كيف لم يهتم أحد بنا الكل يعلم أن هناك اناس تسند ظهرها على الأرض و تلتحف السماء غطاءا لها ، كيف نسوا المتشردين في الشوارع و كيف ستمر علينا أيام هذا الحجر اللعين .

اسمع يا أحمد قدرنا أن نعيش في الشارع دون مأوى ، قدرنا أن نعيش بدون عائلة و اظن أنه قدرنا أيضا أن نموت في هذه الشوارع ، و ربما لن تكون هناك حتى قبورا تأوينا .

أحمد : هل سيتذكرنا أحد ؟ رغم قساوة حياتنا التي نعيشها إلى أننا أيضا مواطنون نخاف على وطننا و أمانه ، فنحن لسنا ضد هذا الحجر بل إنه الحل المناسب و الأمثل ، كما أن أول من أوصى به رسولنا عليه الصلاة و السلام عندما أجتاح مرض الطاعون … و لكن مصيرنا في هذا الحجر و في هذه الشوارع سوى الموت جوعا أو الموت من شدة البرد أو الموت بسبب هذا الفيروس .

نعم انت على حق يا أحمد ، سنأمل ان يتذكرنا أحد فنحن نعيش في شوارع دون مأوى و ليس لدينا مفر سوى الشارع..

تذكرونا أرجوك فنحن بيوتنا الشوارع و حجرنا سيكون في الشارع …

تذكرونا فرغم حياتنا القاسية مازلنا نتمسك بالحياة و نحلم بحياة أفضل …

كان الله في عوننا و ستفرج بإذن الله .

تعليقات
تحميل...
%d مدونون معجبون بهذه: